ابن الجوزي

186

صيد الخاطر

هذا يدوم العيش . فأما إذا حصلت البذلة بانت بها العيوب فنبّت النفس وطلبت الاستبدال . ثم يقع في الثانية مثل ما يقع في الأولى . وكذلك ينبغي أن يتصنع لها كتصنعها له ليدوم الود بحسن الائتلاف . ومتى لم يجر الأمر على هذا في حق من له أنفة من شيء تنبو عنه النفس وقع في أحد أمرين : اما الاعراض عنها ، واما الاستبدال بها . ويحتاج في حالة الاعراض إلى صبر عن أغراضه ، وفي حالة الاستبدال إلى فضل مئونة وكلاهما يؤذي . ومن لم يستعمل ما وصفنا لم يطب له عيش في متعة . ولم يقدر على دفع الزمان كما ينبغي . 142 - نعم اللّه عليك كثيرة فلا تتعرض إلى ما يكرهه نازعتني نفسي إلى أمر مكروه في الشرع ، وجعلت تنصب لي التأويلات وتدفع الكراهة . وكانت تأويلاتها فاسدة ، والحجة ظاهرة على الكراهة . فلجأت إلى اللّه تعالى في دفع ذلك عن قلبي ، وأقبلت على القراءة وكان درسي قد بلغ إلى سورة يوسف فافتتحتها . وذلك الخاطر قد شغل قلبي حتى لا أدري ما أقرأ . فلما بلغت إلى قوله تعالى « قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ » انتبهت لها وكأني خوطبت بها ، فأفقت من تلك السكرة ، وقلت : يا نفس أفهمت ؟ هذا حرّ بيع ظلما فراعى حق من أحسن اليه ، وسماه مالكا وان لم يكن عليه ملك ، فقال : انه ربي . ثم زاد بيان موجب كفّ كفّه عما يؤذيه فقال : أحسن مثواي . فكيف بك وأنت عبد على الحقيقة لمولى ما زال يحسن إليك من ساعة وجودك ، وأن ستره عليك الزلل أكثر من عدد الحصا . أفما تذكرين كيف رباك وعلمك ورزقك ودافع عنك ، وساق الخير إليك ، وهداك أقوم طريق ، ونجاك من كل كيد ، وضم إلى حسن الصورة الظاهرة جودة الذهن الباطن ، وسهل لك مدارك العلوم حتى نلت في قصير الزمان ما لم ينله غيرك في طويله ، وجلى في عرصة لسانك عرائس العلوم في حلل الفصاحة ، بعد أن ستر عن الخلق مقابحك ، فتلقوها منك بحسن الظن ، وساق رزقك بلا كلفة تكلف ولا كدر منّ ، رغدا غير نزر .