ابن الجوزي

187

صيد الخاطر

فو اللّه ما أدري أي نعمة عليك أشرح لك : حسن الصورة وصحة الآلات ، أم سلامة المزاج واعتدال التركيب ، أم لطف الطبع الخالي عن خساسة ، أم إلهام الرشاد منذ الصغر ، أم الحفظ بحسن الوقاية عن الفواحش والزلل ، أم تحبيب طريق النقل واتباع الأثر ، من غير جمود على تقليد لمعظم ، ولا انخراط في سلك مبتدع « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها » . كم كائد نصب لك المكايد فوقاك ، كم عدوّ حطّ منك بالذم فرقاك ، كم أعطش من شراب الأماني خلقا وسقاك ، كم أمات من لم يبلغ بعض مرادك وأبقاك . فأنت تصبحين وتمسين سليمة البدن ، محروسة الدين ، في تزيد من العلم وبلوغ الأمل . فان منعت مرادا فرزقت الصبر عنه بعد أن تبين لك وجه الحكمة في المنع حتى يقع اليقين بأن المنع أصلح . ولو ذهبت أعد من هذه النعم ما نسخ ذكره ، امتلأت الطروس ولم تنقطع الكتابة . وأنت تعلمين أن ما لم أذكره أكثر ، وان ما أومأت إلى ذكره لم يشرح . فكيف يحسن بك التعرض بما يكرهه « معاذ اللّه إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون » . 143 - من حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة . وقلّ أن يقاربها إلا من يقع فيها . ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . قال بعض المعتبرين « 1 » : قدرت على لذة ظاهرها التحريم ويحتمل الإباحة ، إذ الأمر فيها مردد ، فجاهدت النفس فقالت : أنت ما تقدر فلهذا تترك . فقارب المقدور عليه ، فإذا تمكنت فتركت كنت تاركا حقيقة ، ففعلت وتركت ، ثم عاودت مرة أخرى في تأويل أرتني فيه الجواز ، وان كان الأمر يحتمل . فلما وافقتها أثر ذلك ظلمة في قلبي لخوف أن يكون الأمر محرما . فرأيت أنها تارة تقوى عليّ بالترخص والتأويل ، وتارة أقوى عليها بالمجاهدة والامتناع . فإذا رخصت لم آمن أن يكون ذلك الأمر محظورا ، ثم أرى عاجلا تأثير ذلك الفعل في القلب . فلما لم آمن عليها بالتأويل تفكرت في قطع طمعها

--> ( 1 ) أظنه يعني نفسه وانه هو صاحب القصة .