ابن الجوزي
183
صيد الخاطر
الخلوة الخلوة ، واستحضري قرين العقل ، وجولي في حيرة الفكر ، واستدركي صبابة الأجل قبل أن تميل بك الصبابة « 1 » عن الصواب . واعجبا كلما صعد العمر نزلت ، وكلما جد الموت هزلت ، أتراك ممن ختم له بفتنة ، وقضيت عليه عند آخر عمره المحنة . كان أول عمرك خيرا من الأخير ، كنت في زمن الشباب أصلح منك في زمن أيام المشيب « وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » . نسأل اللّه عز وجل ما لا يحصل مطلوبنا الا به ، وهو توفيقه انه سميع مجيب . 138 - من ترك شيئا للّه عوضه اللّه خيرا منه قدرت في بعض الأيام على شهوة للنفس هي عندها أحلى من الماء الزلال في فم الصادي . وقال التأويل : ما هاهنا مانع ولا معوق الا نوع ورع ، وكان ظاهر الأمر امتناع الجواز . فترددت بين الأمرين ، فمنعت النفس عن ذلك . فبقيت حيرتي لمنع ما هو الغاية في غرضها من غير صادّ عنه بحال إلا حذر المنع الشرعي . فقلت لها : يا نفس واللّه ما من سبيل إلى ما لا يؤمن من دونه ؟ فتقلقلت ، فصحت بها : كم وافقتك في مراد ذهبت لذته وبقي التأسف على فعله ، فقدّري بلوغ الغرض من هذا المراد ، أليس الندم يبقى في مجال اللذة أضعاف زمانها ؟ فقالت : كيف أصنع ؟ فقلت : صبرت ولا واللّه ما بي جلادة * على الحب لكني صبرت على الرغم وها أنا « 2 » أنتظر من اللّه عز وجل حسن الجزاء على هذا الفعل . وقد تركت باقي هذه الوجهة « 3 » بيضاء . أرجو أن أرى حسن الجزاء على الصبر فأسطره
--> ( 1 ) الصبابة : البقية والصبابة : الصبوة والميل . ( 2 ) الفصيح وها أنا ذا . ( 3 ) أي هذه الصفحة .