ابن الجوزي
184
صيد الخاطر
فيه إن شاء اللّه تعالى . فإنه قد يعجل جزاء الصبر وقد يؤخره ، فان عجل سطرته ، وان أخر فما أشك في حسن الجزاء لمن خاف مقام ربه ، فإنه من ترك شيئا للّه عوضه اللّه خيرا منه ، واللّه إني ما تركته إلا للّه تعالى ويكفيني تركه ذخيرة ، حتى لو قيل لي أتذكر يوما آثرت اللّه على هواك ؟ قلت : يوم كذا وكذا . فافتخري أيتها النفس بتوفيقك واحمدي من وفقك ، فكم قد خذل سواك . واحذري أن تخذلي في مثلها ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وكان هذا في سنة احدى وستين وخمسمائة ، فلما دخلت سنة خمس وستين ، عوضت خيرا من ذلك بما لا يقارب ، مما لا يمنع منه ورع ولا غيره . فقلت : هذا جزاء الترك لأجل اللّه سبحانه في الدنيا . ولأجر الآخرة خير والحمد للّه . 139 - تذهب اللذة ويبقى العقاب لا أنكر على من طلب لذة الدنيا من طريق المباح ، لأنه ليس كل أحد يقوى على الترك ، انما المحنة على من طلبها فلم يجدها إلا من طريق الحرام فاجتهد في تحصيلها ، ولم يبال كيف حصلت فهذه المحنة التي بخس العقل فيها حقه ، ولم ينفع صاحبه وجوده لأنه لو وزن ما أوثر وعقابه طاشت كفة اللذة التي فنيت عند أول ذرة من جزائها ، وكم قد رأينا ممن آثر شهوته فسلبت دينه فليعجب العاقل حين التصفح لأحوالهم ، كيف آثروا شيئا ما أقاموا معه ، وصاروا إلى عقاب لا يفارقهم فاللّه اللّه في بخس العقول حقّها ، ولينظر السالك أين يضع القدم ، فرب مستعجل وقع في بير بوار « 1 » . ولتكن عين التيقظ مفتوحة فإنكم في صف حرب لا يدرى فيه من أين يتلقى النبل ، فأعينوا أنفسكم ولا تعينوا عليها . 140 - الطاعة بامتثال الأمر واجتناب النهي الحق عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد ، لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه ، فأمره بقصد بيته ، ورفع اليدين اليه ، والسؤال له . فقلوب الجهال تستشعر البعد ، ولذلك تقع منهم المعاصي . إذ لو تحققت مراقبتهم
--> ( 1 ) أي في بئر فارغة مهجورة - وقد كرر هذه الصورة مرارا .