ابن الجوزي

182

صيد الخاطر

فقال : إذا وقعت لي حاجة سألته إياها بقلبي فقضاها . يا أرباب المعاملة باللّه عليكم لا تكدروا المشرب ، قفوا على باب المراقبة وقوف الحراس ، وادفعوا ما لا يصلح أن يلج فيفسد ، واهجروا أغراضكم لتحصيل محبوب الحبيب ، فان أغراضكم تحصل . على أنني أقول أفّ لمن ترك بقصد الجزاء « 1 » ؟ أهذا شرط العبودية ؟ كلا إنما ينبغي لي إذا كنت مملوكا أن أفعل ليرضى لا لأعطى ، فان كنت محبا رأيت قطع الإرب في رضاه وصلا . اقبل نصحي يا مخدوعا بغرضه ان ضعفت عن حمل بلائه فاستغث به ، وان آلمك كرب اختياره فإنك بين يديه ، ولا تيأس من روحه وإن قوي خناق البلاء ، باللّه إن موت الخادم في الخدمة حسن عند العقلاء . إخواني لنفسي أقول فمن له شرب معي فليرد . أيتها النفس لقد أعطاك ما لم تأملي ، وبلغك ما لم تطلبي ، وستر عليك من قبيحك ما لو فاح ضجت المشام . فما هذا الضجيج من فوت كمال الأغراض ؟ أمملوكة أنت أم حرة ؟ أما علمت أنك في دار التكليف ، وهذا الخطاب ينبغي أن يكون للجهال ، فأين دعواك المعرفة ؟ أتراه لو هبت نفحة ، فأخذت البصر كيف كانت تطيب لك الدنيا ؟ وا أسفا عليك لقد عشت البصيرة التي هي أشرف ، وما علمت كم أقول : عسى ولعل ؟ وأنت في الخطأ إلى قدّام قربت سفينة العمر من ساحل القبر ، وما لك في المركب بضاعة تربح . تلاعبت في بحر العمر ريح الضعف ففرقت تلفيق القوى وكان قد فصلت المركب . بلغت نهاية الأجل وعين هواك تتلفت إلى الصبا ، باللّه عليك لا تشمتي بك الأعداء . هذا أقل الأقسام ، وأوفى منها أن أقول باللّه عليك لا يفوتنك قدم سابق مع قدرتك على قطع المضمار .

--> ( 1 ) أي رجاء المكافأة . ومن ترك الذنب بقصد المكافأة كان محسنا في نظر الشرع ، ولا يقال له : أفّ !