ابن الجوزي
173
صيد الخاطر
الخوض فيها فان ما دونها لا يمكن تحقيقه على التفصيل كالروح مثلا « 1 » فإنا نعلم وجودها في الجملة ، فأما حقيقتها فلا . فإذا جهلنا حقائقها كنا لصفات الحق أجهل ، فوجب الوقوف مع السمعيات مع نفي ما لا يليق بالحق ، لأن الخوض يزيد الخائض تخبيطا ولا يفيده تحصيلا بل يوجب عليه نفي ما يثبت بالسمع من غير تحقيق أمر عقلي ، فلا وجه للسلامة إلا طريق السلف والسلام . وكذلك أقول إن اثبات الإله بظواهر الآيات والسنن ألزم للعوام من تحديثهم بالتنزيه وان كان التنزيه لازما . وقد كان ابن عقيل يقول : الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي والسنن ، لأنهم يأنسون بالاثبات فمتى محونا ذلك من قلوبهم زالت السياسات والحشمة وتهافت العوام في الشبهة أحبّ إليّ من إغراقهم في التنزيه ، لأن التشبيه يغمسهم في الاثبات « 2 » ، فيطمعوا ويخافوا شيئا قد أنسوا إلى ما يخاف مثله ويرجى ، فالتنزيه يرمي بهم إلى النفي ولا طمع ولا مخافة من النفي ، ومن تدبر الشريعة رآها عامة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ التي لا يعطي ظاهرها سواه كقول الاعرابي : أو يضحك ربنا ، قال : نعم . فلم يكفره من هذا القول « 3 » . 124 - العلم والفقر أعظم البلايا أن يعطيك همة عالية ويمنعك من العمل بمقتضاها ، فيكون من تأثير همتك الأنفة من قبول ارفاق الخلق استثقالا لحمل مننهم ، ثم يبتليك بالفقر فتأخذ منهم ، ويلطف مزاجك فلا تقبل من المأكولات ما سهل احضاره ، فتحتاج إلى فضل نفقة ، ثم يقلل رزقك ويعلق همتك بالمستحسنات ، ويقطع بالفقر السبيل إليهن ، ويريك العلوم في مقام معشوق ، ويضعف بدنك عن الإعادة ويخلي يديك من المال الذي تحصل به الكتب ، ويقوّي توقك إلى درجات العارفين والزهاد ، ويحوجك إلى مخالطة أرباب الدنيا وهذا البلاء المبين ، وأما الخسيس الهمة الذي
--> ( 1 ) هذا صحيح ، ولكن المؤلف يخالف فعله قوله ، فلم يفوض تفويض السلف ولا قال بالمجاز كما فعل الخلف ولكنه مال إلى التأويل تارة وإلى التشبيه تارة . ( 2 ) أعوذ باللّه ، كيف والمؤلف نفسه صاحب كتاب « دفع شبهة التشبيه » ؟ ( 3 ) إذا أخذه أحد على ظاهره وقال بأنه يضحك « أي كضحكنا » كفر .