ابن الجوزي

174

صيد الخاطر

لا يستنكف من سؤال الخلق ، ولا يرى الاستبدال « 1 » بزوجته ، ويكتفي بيسير من العلم ، ولا يتوق إلى أحوال العارفين ، فذاك لا يؤلمه فقد شيء ، ويرى ما وجد هو الغاية . فهو يفرح فرح الأطفال بالزخارف ، فما أهون الأمر عليه . انما البلاء على العارف ذي الهمة العالية ، الذي تدعوه همته إلى جمع الاضداد للتزيد من مقام الكمال ، وتقصير خطاه عن مدارك مقصوده فيا له من حال ينفد في طريقه زاد الصابرين ، ولولا حالات غفلة تعتري هذا المبتلي يعيش بها ، لكان دوام ملاحظته للمقامات يعمي بصره ، واجتهاده في السلوك يحفي قدمه ، لكن ملاحظات الامداد له تارة ببلوغ بعض مراده وتارة بالغفلة عما قصد ، وهذا كلام عزيز لا يفهمه إلا أربابه ، ولا يعلم كنهه إلا أصحابه . 125 - فضيلة الصبر على ما فيه شبهة تراعنت عليّ نفسي في طلبها شيئا من أغراضها بتأويل فاسد . فقلت لها : باللّه عليك تصبري إنّ في المعبر شغلا بحذر الغرق من كثرة الموج عن التنزه في عجائب البحر . إذا هممت بفعل فقدري حصوله ثم تلمحي عواقبه وما تجتنين من ثمرته ؛ فأقل ذلك الندم على ما فعلت ، ولا يؤمن أن يثمر غضب الحق عز وجل وإعراضه عنك ، فأفّ للقاطع عنه ولو كان الجنة . ثم اعلمي أيتها النفس انه ما يمضي شيء جزافا ، وان ميزان العدل تبين فيه الذرة فتلمحي الأموات والاحياء ، وانظري إلى من نشر ذكره بالخير والشر ، وزيادة ذلك ونقصانه ، فسبحان من أظهر دليل الخلوات على أربابها ، حتى أن حبات القلوب تتعلق بأهل الخير ، وتنفر من أهل الشر ، من غير مطالعة لشيء من أعمال الكل . قال إبليس : أو تترك مرادك لأجل الخلق ؟ قلت : لا ، إنما هذا بعض الثمرات الحاصلة من طريق الغرض . ونحن نرى من يمشي ثلاثين فرسخا ليقال : ساع ، فالمتقي قد نال شرف الذكر وان لم يقصد نيل ذلك مترجحا له في وزن الجزاء « سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا » . قالت النفس : لقد أمرتني بالصبر على العذاب ، لأن ترك الأغراض عذاب .

--> ( 1 ) كأن الزوجة عنده متاع إذا رث جدده . لا ، ولكن رفيقة العمر ، لا يستبدل بها الا ان أساءت أو تعذرت معاشرتها .