ابن الجوزي
170
صيد الخاطر
وعفص وزاج ؟ وأن اللّه ليس في السماء ، وأن الجارية التي قال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلم أين اللّه ؟ كانت خرساء فأشارت إلى السماء أي ليس هو من الأصنام التي تعبد في الأرض « 1 » ثم يقولون أين الحروفية الذين يزعمون أن القرآن حرف وصوت ؟ هذا عبارة جبريل . فما زالوا كذلك حتى هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام ، وصار أحدهم يسمع فيقول : هذا هو الصحيح ، وإلا فالقرآن شيء يجيء به جبريل في كيس . فشكا إليّ جماعة من أهل السنة ، فقلت لهم : اصبروا فلا بد للشبهات أن ترفع رأسها في بعض الأوقات ، وان كانت مدموغة ، وللباطل جولة وللحق صولة والدجالون كثير ، ولا يخلو بلد ممن يضرب البهرج على مثل سكة السلطان . قال قائل : فما جوابنا عن قولهم ؟ قلت : اعلم وفقك اللّه تعالى أن اللّه عز وجل ورسوله قنعا من الخلق بالإيمان بالجمل ولم يكلفا معرفة التفاصيل ، إما لأن الاطلاع على التفاصيل يخبط العقائد ، وإما لأن قوى البشر تعجز عن مطالعة ذلك ، فأول ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إثبات الخالق ، ونزل عليه القرآن بالدليل على وجود الخالق بالنظر في صنعه فقال تعالى : « أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً » وقال تعالى : « وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » . وما زال يستدل على وجوده بمخلوقاته ، وعلى قدرته بمصنوعاته ، ثم أثبت نبوة نبيه بمعجزاته ، وكان من أعظمها القرآن الذي جاء به فعجز الخلائق عن مثله ، واكتفى بهذه الأدلة جماعة من الصحابة ، ومضى على ذلك القرن الأول والمشرب صاف لم يتكدر « 2 » ، وعلم اللّه عز وجل ما سيكون من البدع فبالغ في إثبات الأدلة وملأ بها القرآن ، ولما كان القرآن هو منبع العلوم ، وأكبر المعجزات للرسول ، أكد الأمر فيه فقال تعالى : « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ » * « وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ » ، فأخبر أنه كلامه بقوله تعالى : « يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ » ، وأخبر أنه مسموع بقوله تعالى : « حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ » ، وأخبر أنه محفوظ فقال تعالى : « فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ »
--> ( 1 ) اللّه لا يحدّه زمان ولا يحويه مكان ، وهو خالق الزمان والمكان . ( 2 ) فلم يقولوا انه في السماء ولم ينفوا ، ولم يحققوا الاستواء ولم يؤولوا ، ولم يتكلموا في ذلك بشيء ، ولكن فوضوا وسلموا .