ابن الجوزي

171

صيد الخاطر

وقال تعالى : « بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » ، وأخبر أنه مكتوب ومتلو فقال تعالى : « وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ » ، إلى ما يطول شرحه من تعدد الآيات في هذه المعاني التي توجب إثبات القرآن . ثم نزّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم عن أن يكون أتى به من قبل نفسه فقال تعالى : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » وتوعده لو فعل فقال تعالى : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ » ، وقال في حق الزاعم أنه كلام الخلق حين قال : « إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ » ، ولما عذب كل أمة بنوع عذاب تولاه بعض الملائكة كصيحة جبريل عليه السلام بثمود ، وإرسال الريح على عاد ، والخسف بقارون ، وقلب جبريل دار لوط عليهما السلام ، وإرسال الطير الأبابيل على من قصد تخريب الكعبة . تولى هو بنفسه عقاب المكذبين بالقرآن فقال تعالى : « فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ » . « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً » . وهذا لأنه أصل هذه الشرائع والمثبت لكل شريعة تقدمت ، لأن جميع الملل ليس عندهم ما يدل على صحة ما كانوا فيه إلا كتابنا ، لأن كتبهم غيرت وبدلت ، وقد علم كل ذي عقل أن القائل : « إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » انما أشار إلى ما سمعه . ولا يختلف أولوا الألباب وأهل الفهم للخطاب ، أن قوله « وأنه » كناية عن القرآن ، وقوله : « تنزل به » كناية أيضا عنه وقوله : « هذا كتاب » إشارة إلى حاضر . وهذا أمر مستقر لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والصحابة رضوان اللّه عليهم ، ثم دسّ الشيطان دسائس البدع فقال قوم : هذا المشار اليه مخلوق ، فثبت الإمام أحمد رحمه اللّه ثبوتا لم يثبته غيره على دفع هذا القول لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس ، ويخرجه عن الإضافة إلى اللّه عز وجل . ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال : كيف أقول ما لم يقل . ثم لم يختلف الناس في غير ذلك ، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري ، فقال مرة بقول المعتزلة ، ثم عنّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس . فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق وزادت فخبطت العقائد فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم « 1 » .

--> ( 1 ) جمهور المسلمين ، من سبعمائة سنة إلى اليوم ، على مذهب الأشعري في العقائد « أو الماتريدي وهو قريب منه » ، يدينون بذلك ، ويؤلفون فيه كتبهم ويعلمونها