ابن الجوزي

165

صيد الخاطر

قال حدثنا محمد بن علي القوهستاني قال حدثنا دلف بن أبي دلف . قال : رأيت كأن آتيا أتى بعد موت أبي فقال : أجب الأمير . فقمت معه فأدخلني دار وحشة وعرة سوداء الحيطان مقلّعة السقوف والأبواب ، ثم أصعدني درجا فيها ، ثم أدخلني غرفة فإذا في حيطانها أثر النيران ، وإذا في أرضها أثر الرماد ، وإذا أبي عريان واضعا رأسه بين ركبتيه فقال لي كالمستفهم : دلف ؟ قلت : نعم أصلح اللّه الأمير . فأنشأ يقول : أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم * ما لقينا في البرزخ الخفاق قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا * فارحموا وحشتي وما قد ألاقي أفهمت ؟ قلت : نعم . فأنشأ يقول : فلو أنا إذا متنا تركنا * لكان الموت راحة كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا * ونسأل بعده عن كل شيء 120 - نصائح لطالب العلم اللذات كلها بين حسي وعقلي ، فنهاية اللذات الحسية وأعلاها النكاح ، وغاية اللذات العقلية العلم ، فمن حصلت له الغايتان في الدنيا فقد نال النهاية ، وأنا أرشد الطالب إلى أعلى المطلوبين ، غير أن للطالب المرزوق علامة وهو أن يكون مرزوقا علوّ الهمة ، وهذه الهمة تولد مع الطفل ، فتراه من زمن طفولته يطلب معالي الأمور ، كما يروى في الحديث أنه كان لعبد المطلب مفرش في الحجر فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يأتي وهو طفل فيجلس عليه فيقول عبد المطلب : إن لابني هذا شأنا . فإن قال قائل : فان كانت لي همة ولم أرزق ما أطلب فما الحيلة ؟ فالجواب ، انه إذا امتنع الرزق من نوع لم يمتنع من نوع آخر ، ثم من البعيد أن يرزقك همة ولا يعينك ، فانظر في حالك فلعله أعطاك شيئا ما شكرته ، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه ، واعلم أنه ربما زوى عنك من لذات الدنيا كثيرا ليوفرك على لذات العلم فإنك ضعيف ربما لا تقوى على الجمع ، فهو أعلم بما يصلحك .