ابن الجوزي

166

صيد الخاطر

وأما ما أردت شرحه لك فان الشاب المبتدئ في طلب العلم ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفا ، ويجعل علم الفقه الأهم « 1 » ، ولا يقصر في معرفة النقل « 2 » ، فبه تبين سير الكاملين ، وإذا رزق فصاحة من حيث الوضع ثم أضيف إليها معرفة اللغة والنحو فقد شحذت شفرة لسانه على أجود مسن ، ومتى أدى العلم لمعرفة الحق وخدمة اللّه عز وجل فتحت له أبواب لا تفتح لغيره ، وينبغي له بالتلطف أن يجعل جزءا من زمانه مصروفا إلى توفير الاكتساب والتجارة ، مستنيبا فيها غير مباشر لها ، مع التدبير في العيش الممتنع من الاسراف والتبذير ، فان رواية العلم والعمل به إلى درجة المعرفة للّه عز وجل ، فربما شغلته لذة ما وصل اليه عن كل شيء ، ويا لها حالة سليمة من آفة ، وان وجد من طبعه منازعا إلى الشوق في النكاح فليتحرّ السراري ، فان الحرائر في الأغلب غلّ ، وليعزل « 3 » عن المملوكات إلى أن يجرب خلقهن ودينهن ، فان رضيهن طلب الولد منهن ، وإلا فالاستبدال بهن سهل ، ولا يتزوج حرة الا أن يعلم أنها تصبر على التزويج عليها والتسرّي ، وليكن قصده الاستمتاع بها لا إجهاد النفس في الانزال ، فان ذلك يهدم قوته فيضعف الأصل ، فهذه الجماعة من لذتي الحس والعقل ذكرتها على وجه الإشارة وفهم الذكي يملي عليه ما لم أشرحه . 121 - على طالب العلم أن لا يجهد نفسه اعلم أن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة ، ومن الغلط الانهماك على الإعادة ليلا ونهارا ، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أياما ثم يفتر أو يمرض ، وقد روينا أن الطبيب دخل على أبي بكر بن الأنباري في مرض موته فنظر إلى مائه « 4 » وقال : قد كنت تفعل شيئا لا يفعله أحد ، ثم خرج فقال : ما يجيء منه شيء . فقيل له : ما الذي كنت تفعل ؟ قال : كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة .

--> ( 1 ) انظر آخر الفصل « 114 » . ( 2 ) أي الأحاديث التي هي أدلة أحكام الفقه . ( 3 ) العزل القاء الماء خارج ( الموضع ) لمنع الحمل . ( 4 ) أي بوله ، وكان جمع البول في قوارير وعرضه على الطبيب هو الأسلوب الشائع في الفحص الطبي عند أطباء العرب من قبل تسعمائة سنة !