ابن الجوزي

160

صيد الخاطر

أقول له قدم المهم فإن العاقل من قدر عمره وعمل بمقتضاه . وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر غير أنه يبني على الأغلب . فان وصل فقد أعد لكل مرحلة زادا ، وان مات قبل الوصول فحسبه ذلك ، فإذا علم العاقل أن العمر قصير وأن العلم كثير ، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلا بسماع الحديث ونسخه ليحصل كل طريق ، وكل رواية ، وكل غريب . وهذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة خصوصا إن تشاغل بالنسخ ، ثم لا يحفظ القرآن . أو يتشاغل بعلوم القرآن ولا يعرف الحديث . أو بالخلاف في الفقه ولا يعرف النقل « 1 » الذي عليه مدار المسألة . فان قال قائل : فدبر لي ما تختار لنفسك . فأقول : ذو الهمة لا يخفى من زمان الصبى كما قال سفيان بن عيينة : قال لي أبي وقد بلغت خمس عشرة سنة ، إنه قد انقضت عنك شرائع الصبا فاتبع الخير تكن من أهله . فجعلت وصية أبي قبلة أميل إليها ولا أميل عنها . ثم قبل شروعي في الجواب أقول : ينبغي لمن له أنفة أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس ، فلو كانت النبوة مثلا تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بالولاية « 2 » ، أو تصور أن يكون مثلا خليفة لم يحسن به أن يقتنع بامارة ، ولو صح له أن يكون ملكا لم يرض أن يكون بشرا « 3 » . والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل ، وقد علم قصر العمر وكثرة العلم فيبتدي بالقرآن وحفظه « 4 » ، وينظر في تفسيره نظرا متوسطا لا يخفى عليه بذلك منه شيء ، وإن صح له قراءة القراءات السبع وأشياء من النحو وكتب اللغة ابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن ، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء ، فلينظر في أصول ذلك ، وقد رتبت العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعب ، ولينظر في

--> ( 1 ) أي الدليل النقلي : الآية أو الحديث . ( 2 ) انظر الفصل « 108 » . ( 3 ) نسي المؤلف أنه فضل فيما مضى من الفصول البشر على الملائكة ! ! ( 4 ) أنظر الفصل « 120 » و « 121 » .