ابن الجوزي

161

صيد الخاطر

التواريخ ليعرف ما لا يستغنى عنه كنسب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأقاربه وأزواجه وما جرى له ، ثم ليقبل على الفقه فلينظر في المذهب والخلاف وليكن اعتماده على مسائل الخلاف فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه فيطلبه من مظانه ، كتفسير آية وحديث وكلمة لغة ، ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض . وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم « 1 » ويكفيه من النظر في الأصول « 2 » ما يستدل به على وجود الصانع ، فإذا أثبته بالدليل وعرف ما يجوز عليه مما لا يجوز ، وأثبت ارسال الرسل وعلم وجوب القبول منهم ، فقد احتوى على المقصود من علم الأصول فإن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه فإنه الأنفع ومهما فسح له في المهل فأمكنه تصنيف في علم فإنه يخلف بذلك خلفه خلفا صالحا مع اجتهاده في التسبب إلى اتخاذ الولد . ثم يعلم أن الدنيا معبرة فيلتفت إلى فهم معاملة اللّه عز وجل ، فان مجموع ما حصله من العلم يدل عليه ، فإذا تعرض لتحقيق معرفته ووقف على باب معاملته فقلّ أن يقف صادق إلا ويجذب إلى مقام الولاية ، ومن أريد وفّق . وإن للّه عز وجل ، أقواما يتولى تربيتهم ويبعث إليهم في زمن الطفولية مؤدبا ويسمى العقل ، ومقوما ، ويقال له الفهم ، ويتولى تأديبهم وتثقيفهم ، ويهيئ لهم أسباب القرب منه ، فإن لاح قاطع قطعهم عنه . وان تعرضت بهم فتنة دفعها عنهم . فنسأل اللّه عز وجل أن يجعلنا منهم ، ونعوذ باللّه من خذلان لا ينفع معه اجتهاد . 115 - تقوى اللّه في الخلوات إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة ، كم من مؤمن باللّه عز وجل يحترمه عند الخلوات فيترك ما يشتهي حذرا من عقابه ، أو رجاء لثوابه ، أو إجلالا له ، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودا هنديا على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه الخلائق ، ولا يدرون أين هو . وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يقوي محبته ، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب ، ويتفاوت تفاوت العود ، فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص وألسنتهم تمدحه ولا يعرفون لم ؟ ولا

--> ( 1 ) انظر الفصل « 110 » . ( 2 ) يريد علم أصول الدين وهو التوحيد لا علم أصول الفقه .