ابن الجوزي

157

صيد الخاطر

112 - لا تثق بأحد مما تعاشره من أعظم الغلط الثقة بالناس والاسترسال إلى الأصدقاء فان أشد الأعداء وأكثرهم أذى الصديق المنقلب عدوا ، لأنه قد اطلع على خفي السر ، قال الشاعر : احذر عدوك مرة * واحذر صديقك ألف مرّه فلربما انقلب الصدي * ق فكان أدرى بالمضرّه واعلم أن من الأمر الموضوع في النفوس الحسد على النعم ، أو الغبطة وحب الرفعة ، فإذا رآك من يعتقدك مثيلا له وقد ارتقيت عليه فلا بد أن يتأثر وربما حسد ، فان إخوة يوسف عليهم السلام من هذا الجنس جرى لهم . فان قلت : كيف يبقى الانسان بلا صديق ؟ قلت لك : أتراك ما تعلم أن المجانس يحسد ، وأن أكثر العوام يعتقدون في العالم أنه لا يبتسم ولا يتناول من شهوات الدنيا شيئا ، فإذا رأوا بعض انبساطه في المباح هبط من أعينهم ، فإذا كانت هذه حالة العوام ، وتلك حالة الخواص ، فمع من تكون المعاشرة ؟ لا بل واللّه ما تصح المعاشرة مع النفس لأنها متلونة ، وليس إلا المداراة للخلق والاحتراز منهم « 1 » ، واتخاذ المعارف من غير طمع في صديق صادق ، فان ندر فليكن غير مماثل ، لأن الحسد اليه « 2 » أسبق ، وليكن مرتفعا عن رتبة العوام ، غير طامع في نيل مقامك ، وان كانت معاشرة هذا لا تشفي لأن المعاشرة ينبغي أن تكون بين العلماء المجانسين ، لزمهم من الإشارات في المخالطة ما تطيب به المجالسة ، ولكن لا سبيل إلى الوصال « 3 » ، ومثل هذه الحال انك ان استخدمت الأذكياء عرفوا باطنك ، وان استخدمت الأبله انعكست مقاصدك ، فاجعل الأذكياء لحوائجك الخارجة ، والبله لحوائجك في منزلك لئلا يعلموا أسرارك ، واقنع من الأصدقاء ، بمن وصفته لك ، ثم لا تلقه إلا متدرعا درع الحذر ، ولا تطلعه على باطن يمكن أن يستر عنه ، وكن كما يقال عن الذئب : ينام بإحدى مقلتيه ويتقي * بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع

--> ( 1 ) من كلام عمر : خالطوا الناس وزايلوهم . ( 2 ) أي إلى المماثل . ( 3 ) كأن في العبارة شيئا من تحريف النساخ .