ابن الجوزي

158

صيد الخاطر

113 - على طالب العلم كسب المعاش رأيت جماعة ممن أفنى أوائل عمره وريعان شبابه في طلب العلم ، صبر على أنواع الأذى ، وهجر فنون الراحات ، أنفة من الجهل ورذيلته ، وطلبا للعلم وفضيلته ، فلما نال منه طرفا رفعه عن مراتب أرباب الدنيا ومن لا علم له إلا بالعاجل ، ضاق به معاشه ، فسافر في البلاد يطلب من الأراذل ، ويتواضع للسّفلة وأهل الدناءة والمكّاس « 1 » وغيرهم ، فخاطبت بعضهم وقلت : ويحك أين تلك الأنفة من الجهل التي سهرت لأجلها ، وأظمأت نهارك بسببها ، فلما ارتفعت وارتفعت عدت إلى أسفل سافلين ؟ أفما بقي عندك ذرة من الأنفة تنبو بها عن مقامات الأراذل ، ولا معك يسير من العلم يسير بك عن مناخ الهوى ، ولا حصلت بالعلم على قوة تجذب بها زمام النفس عن مراعي السوء ؟ غير أنه تبين لي أن سهرك وتعبك كأنه كان لنيل الدنيا ، ثم اني أراك تزعم أنك تريد شيئا من الدنيا تستعين به على طلب العلم . فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأراذل أفضل من التزيد في علمك ، فلو عرفت ما ينقص به لم تر ما قد عزمت عليه زيادة مما يحتوي عليه هذا العزم : السفر الذي كله مخاطرة بالنفس ، وبذل الوجه الذي طالما صين لمن لا يصلح التفات مثلك إلى مثله ، وبعيد أن تقنع بعد شروعك في هذا الأمر بقدر الكفاف ، وقد علمت ما في السؤال بعد الكفاف من الإثم ، وأبعد منه أن تقدر على الورع في المأخوذ ، ومن لك بالسلامة والرجوع إلى الوطن ، وكم رمى قفر في بواديه من هالك ، ثم ما يحصله يفنى ويبقى منه ما أعطى ، وعيب المتقين إياك ، واقتداء الجاهلين بك ، ويكفيك أنك عدت على ما علمت من ذم الدنيا بشينه إذ فعلت ما يناقضه ، خصوصا وقد مر أكثر العمر ، ومن أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي . 114 - طريق الدرس لطالب العلم رأيت الشّره في تحصيل الأشياء يفوّت الشّره مقصوده ، وقد رأينا من كان

--> ( 1 ) أصحاب المكوس . والمراد بالمكوس هنا المظالم بأنواعها كلها .