ابن الجوزي

156

صيد الخاطر

قالوا : قد رأيتم ما صنعنا بإبلنا فكيف نسرق ؟ ونسوا هم تفاوت ما بين الورع واختطاف أكلة لا يملكونها ، وبين القاء يوسف عليه السلام في الجب وبيعه بثمن بخس . وفي الناس من يطيع في صغار الأمور دون كبارها ، وفيما كلفته عليه خفيفة أو معتادة ، وفيما لا ينقص شيئا من عادته في مطعم وملبس . نرى أقواما يأخذون بالربا ويقول أحدهم : كيف يراني عدوي بعين ان بعت داري ، أو تغير ملبوسي ومركوبي ! ونرى أقواما يوسوسون في الطهارة ، ويستعملون الكثير ، ولا يتحاشون من غيبة ، وأقواما يستعملون التأويلات الفاسدة في تحصيل أغراضهم مع علمهم أنها لا تجوز ، حتى إني رأيت رجلا من أهل الخير والتعبد أعطاه رجل مالا ليبني به مسجدا ، فأخذه لنفسه وأنفق عوض الصحيح قراضة ، فلما احتضر قال لذلك الرجل : اجعلني في حل فاني فعلت كذا وكذا . ونرى أقواما يتركون الذنوب لبعدهم عنها ، فقد ألفوا الترك ، وإذا قربوا منها لم يتمالكوا « 1 » ، وفي الناس من هذه الفنون عجائب يطول ذكرها . وقد علمنا أن خلقا من علماء اليهود كانوا يحملون ثقل التعبد في دينهم ، فلما جاء الاسلام وعرفوا صحته لم يطيقوا مقاومة أهوائهم في محو رياستهم ، وكذلك قيصر فإنه عرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالدليل ثم لم يقدر على مقاومة هواه وترك ملكه ، فاللّه اللّه في تضييع الأصول ، ومن اهمال سرح الهوى ، فإنه ان أهملت ماشية نفشت في زروع التقى ، وما مثل الهوى إلا كسبع في عنقه سلسلة فان استوثق منه ضابطه كفّه ، وربما لاحت له شهواته الغالبة عليه فلم تقاومها السلسلة فأفلت . على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة ، ومنهم من يكفه بخيط ، فينبغي للعاقل أن يحذر شياطين الهوى ، وأن يكون بصيرا بما يقوى عليه من أعدائه ، وبمن يقوى عليه .

--> ( 1 ) لذلك كان أول ما ينبغي للمسلم الابتعاد عن مواطن الفتن ، وأسباب الاغراء ، بذلك يستريح قلبه في الدنيا ، وينجو من العذاب في الآخرة .