ابن الجوزي
138
صيد الخاطر
معاملا بأنك أجير وما غربت الشمس « 1 » . فان كنت محبا رأيت ذلك قليلا في جنب رضا حبيبك عنك ، وما كلامنا مع الثالث « 2 » . 90 - إذا عليك بالتسليم رأيت في العقل نوع منازعة للتطلع إلى جميع حكم الحق عز وجل في حكمه ، فربما لم يتبين له بعضها مثل النقض بعد البناء ، فيقف متحيرا وربما انتهز الشيطان تلك الفرصة ، فوسوس اليه : أين الحكمة من هذا ؟ فقلت له : احذر أن تخدع يا مسكين ، فإنه قد ثبت عندك بالدليل القاطع لما رأيت من اتقان الصنائع حكمة الصانع ، فان خفي عليك بعض الحكم فلضعف ادراكك . ثم ما زالت للملوك أسرار ، فمن أنت حتى تطلع بضعفك على جميع حكمه . يكفيك الجمل « 3 » وإياك إياك أن تتعرض لما يخفى عليك . فإنك بعض موضوعاته وذرة من مصنوعاته . فكيف تتحكم على من صدرت عنه ، ثم قد ثبتت عندك حكمته في حكمه وملكه ؟ فاعمل آلتك على قدر قوتك في مطالعة ما يمكن من الحكم ، فإنه سيورثك الدهش . وغمض عما يخفى عليك فحقيق بذي البصر الضعيف ألا يقاوي « 4 » نور الشمس ! 91 - مجاهدة النفس أعجب الأشياء مجاهدة النفس ، لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة ، فان أقواما أطلقوها فيما تحب ، فأوقعتهم فيما كرهوا . وإن أقواما بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها ، وظلموها . وأثر ظلمهم لها في تعبداتهم . فمنهم من أساء غذاءها فأثر ذلك ضعف بدنها عن إقامة واجبها ، ومنهم من أفردها في خلوة أثمرت الوحشة من
--> ( 1 ) أي لم ينته يوم العمل . ( 2 ) أي الذي لا يرى نفسه عبدا للّه أجيرا . ولا محبا له مطيعا . ( 3 ) أي فهم جملة الامر . وقد تقدم هذا المعنى مرارا - وهو الطريق المأمون لمن يريد الوصول إلى حقيقة الايمان بالقضاء والقدر . ( 4 ) أي يسابقها بقوته . ووزن ( فاعلته ) بهذا المعنى قياسي ، يقال : جاريته أي سابقته في الجري وكاتبته أي سابقته في الكتابة . وراميته أي سابقته في الرمي .