ابن الجوزي
139
صيد الخاطر
الناس ، وآلت إلى ترك فرض أو فضل من عيادة مريض ، أو بر والدة ، وانما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول ، فإذا فسح لها في مباح لم تتجاسر أن تتعداه فيكون معها كالملك إذا مازح بعض جنده ، فإنه لا ينبسط اليه الغلام ، فان انبسط ذكر هيبة المملكة . فكذلك المحقق يعطيها حظها ويستوفي منها ما عليها . 92 - لا تضيع ساعات العمر رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا . إن طال الليل فبحديث لا ينفع ، أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر ، وان طال النهار فبالنوم ، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم ، وما عندهم خبر . ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود ، فهم في تعبية الزاد والتأهب للرحيل ، الا أنهم يتفاوتون ، وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته بما ينفق في بلد الإقامة « 1 » ، فالمتيقظون منهم يتطلعون إلى الاخبار بالنافق هناك ، فيستكثرون منه فيزيد ربحهم . والغافلون منهم يحملون ما اتفق ، وربما خرجوا لا مع خفير « 2 » . فكم ممن قد قطعت عليه الطريق فبقي مفلسا . فاللّه اللّه في مواسم العمر ، والبدار البدار قبل الفوات ، واستشهدوا العلم ، واستدلّوا الحكمة ، ونافسوا الزمان ، وناقشوا النفوس ، واستظهروا بالزاد . فكأن قد حدا الحادي فلم يفهم صوته من وقع دمع الندم . 93 - تخليط العلماء والزهاد أضر ما على المريض التخليط ، وما من أحد الا وهو مريض بالهوى ، والحمية عنه رأس الدواء ، والتخليط يديم المرض . وتخليط أرباب الآخرة على ضربين : أحدهما تخليط العلماء ، وهو إما لمخالطة الأضداد كالسلاطين فإنهم يضعفون قوى يقينهم كلما زادت المخالطة ، ويقدحون دليلهم عند المريدين . فاني إذا رأيت طبيبا يخلط ويحميني شككت أو وقفت .
--> ( 1 ) يريد ببلد الإقامة الدار الآخرة ، أما الدنيا فهي دار ممر إليها . ( 2 ) بلا خفير ، أي انفردوا بأنفسهم فتعرضوا للمهالك يريد بذلك من لا يمشي على هدى الشرع .