ابن الجوزي

135

صيد الخاطر

فاللّه اللّه من مساكنة مسكن ، ومخالفة مقام . وليكن المتيقظ على انزعاج محتقرا للكثير من طاعاته ، خائفا على نفسه من تقلباته ، ونفوذ الأقدار فيه . واعلم أن تلمح هذه الأشياء التي أشرت إليها يضرب عنق العجب ، ويذهب كبر الكبر « 1 » . 87 - اذكر ربك في زمن البلاء من عاش مع اللّه عز وجل طيب العيش في زمن السلامة خفت عليه في زمن البلاء ، فهناك المحك . ان الملك عز وجل بينا يبني نقض ، وبينا يعطي سلب ، فطيب العيش والرضى هناك يبين ، فأما من تواصلت لديه النعم فإنه يكون طيب القلب لتواصلها ، فإذا مسته نفحة من البلاء فبعيد ثباته . قال الحسن البصري : كانوا يتساوون في وقت النعم فإذا نزل البلاء تباينوا . فالعاقل من أعد ذخرا ، وحصل زادا ، وازداد من العدد للقاء حرب البلاء ، ولا بد من لقاء البلاء ، ولو لم يكن إلا عند صرعة الموت ، فإنها إن نزلت والعياذ باللّه فلم تجد معرفة توجب الرضى أو الصبر ، أخرجت إلى الكفر ، ولقد سمعت بعض من كنت أظن فيه كثرة الخير وهو يقول في ليالي موته : ربي هو ذا يظلمني . فلم أزل منزعجا مهتما بتحصيل عدة ألقى بها ذلك القرن . كيف وقد روي أن الشيطان يقول لأعوانه في تلك الساعة : عليكم بهذا ، فان فاتكم لم تقدروا عليه . وأي قلب يثبت عند امساك النفس ، والأخذ بالكظم ونزع النفس والعلم بمفارقة المحبوبات إلى ما لا يدري ما هو ، وليس في ظاهره الا القبر والبلاء . فنسأل اللّه عز وجل يقينا يقينا شر ذلك اليوم ، لعلنا نصبر للقضاء ، أو نرضى به ، ونرغب إلى مالك الأمور في أن يهب لنا من فواضل نعمه على أحبابه ، حتى يكون لقاؤه أحب الينا من بقائنا ، وتفويضنا إلى تقديره أشهى لنا من اختيارنا ، ونعوذ باللّه من اعتقاد الكمال لتدبيرنا ، حتى إذا انعكس علينا أمر عدنا إلى القدر بالتسخط . وهذا هو الجهل المحض ، والخذلان الصريح أعاذنا اللّه منه .

--> ( 1 ) أي جله ومعظمه قال تعالى ( والذي تولى كبره ) .