ابن الجوزي
136
صيد الخاطر
88 - صفة العارف باللّه ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين باللّه عز وجل ، فان العارف به مستأنس به في خلوته ، فإن عمت نعمه علم من أهداها ، وان مرّ مرّ حلا مذاقه في فيه ، لمعرفته بالمبتلي . وان سأل فتعوق مقصوده ، صار مراده ما جرى به القدر علما منه بالمصلحة بعد يقينه بالحكمة ، وثقته بحسن التدبير . وصفة العارف أن قلبه مراقب لمعروفه « 1 » ، قائم بين يديه ، ناظر بعين اليقين اليه ، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذبها : فإن تكلمت لم أنطق بغيركم * وان سكت فأنتم عقد إضماري إذا تسلط على العارف أذى أعرض نظره عن السبب ، ولم ير سوى المسبب ، فهو في أطيب عيش معه ، ان سكت تفكر في إقامة حقه ، وان نطق تكلم بما يرضيه « 2 » لا يسكن قلبه إلى زوجة أو إلى ولد ، ولا يتشبث بذيل محبة أحد ، وانما يعاشر الخلق ببدنه وروحه عند مالك روحه . فهذا الذي لا همّ عليه في الدنيا ولا غمّ عنده وقت الرحيل عنها ، ولا وحشة له في القبر ولا خوف عليه يوم المحشر . فأما من عدم المعرفة فإنه معثر لا يزال يضج من البلاء لأنه لا يعرف المبتلي ويستوحش لفقد غرضه لأنه لا يعرف المصلحة ، ويستأنس بجنسه لأنه لا معرفة بينه وبين ربه ، ويخاف من الرحيل لأنه لا زاد له ولا معرفة بالطريق . وكم من عالم وزاهد لم يرزقا من المعرفة الا ما رزقه العامي البطال ، وربما زاد عليهما ! . وكم من عامي رزق منها ما لم يرزقاه مع اجتهادهما ، وانما هي مواهب وأقسام « 3 » . ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . 89 - الصبر على التقوى باللّه عليك يا مرفوع القدر بالتقوى لا تبع عزّها بذلّ المعاصي ، وصابر
--> ( 1 ) يعني اللّه جل جلاله . ( 2 ) أي يرضى اللّه . ( 3 ) الاقسام جمع قسم وهو النصيب .