ابن الجوزي

134

صيد الخاطر

وهذا يختص ببشر لقوة معرفته . كان وقت السؤال كالمخاطب كفاحا فاستحيا للزلل ، فأما أهل الغفلة فسؤالهم على بعد . فافهم ما ذكرته وتشاغل بالتوبة من الزلل . ثم العجب من سؤالاتك فإنك لا تكاد تسأل مهما من الدنيا ، بل فضول العيش ، ولا تسأل صلاح القلب والدين مثل ما تسأل صلاح الدنيا ، فاعقل أمرك فإنك من الانبساط والغفلة على شفا جرف وليكن حزنك على زلاتك شاغلا لك عن مراداتك ، فقد كان الحسن البصري شديد الخوف ، فلما قيل له في ذلك قال : وما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال اذهب لا غفرت لك . 86 - من عرف اللّه خافه أعجب العجب دعوى المعرفة مع البعد عن العرفان باللّه ، ما عرفه إلا من خاف منه ، فأما المطمئن فليس من أهل المعرفة ، وفي المتزهدين أهل تغفيل يكاد أحدهم يوقن أنه ولي محبوب ومقبول ، وربما توالت عليه ألطاف ظنها كرامات ، ونسي الاستدراج الذي لفّت مساكنته الألطاف ، وربما احتقر غيره وظن أن محلته محفوظة به . تغره ركيعات ينتصب فيها ، أو عبادة ينصب بها ، وربما ظن أنه قطب الأرض وأنه لا ينال مقامه بعده أحد . وكأنه ما علم أنه بينا موسى مكالم نبّئ يوشع ، وبينا زكريا عليه السلام مجاب نشر بالمنشار ، وبينا يحيى عليه السلام يوصف بأنه سيد سلط عليه كافر احتز رأسه ، وبينا بلعام معه الاسم الأعظم صار مثله كمثل الكلب ، وبينا الشريعة يعمل بها نسخت وبطل حكمها ، وبينا البدن معمور خرب وسلط البلى عليه ، وبينا العالم يدأب حتى ينال مرتبة يعتقدها ، نشأ طفل في زمان ترقى إلى سبر عيوبه وغلطه ، وكم من متكلم يقول : ما مثلي لو عاش فسمع ما حدث بعده من الفصاحة عد نفسه أخرس . هذا وعظ ابن السماك ، وابن عمار ، وابن سمعون ، لا يصلح لبعض تلامذتنا ولا يرضاه « 1 » ، فكيف يعجب من ينفق « 2 » شيئا ؟ وربما أتى بعدنا من لا يعدّنا .

--> ( 1 ) انا لم أكد اسمع كلاما لواعظ أعلى طبقة من كلام ابن السماك وهو أبلغ من كل من قرأت له من أئمة الترسل وأساتذة البيان . ( 2 ) أي ينفق سوقه ، من النفاق « بفتح النون » .