ابن الجوزي

133

صيد الخاطر

كاستعارة طلاب العلم جزءا لا يردونه ، وقصد الدخول على من يأكل ليؤكل معه ، والتسامح بعرض العدو التذاذا بذلك ، واستصغارا لمثل هذا الذنب ، وإطلاق البصر استهانة بتلك الخطيئة ، وفتوى من لا يعلم لئلا يقال هو جاهل ، ونحو ذلك مما يظن صغيرا وهو عظيم ، وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس ، ومن مقام رفعة القدر عند الحق ، وربما قيل له بلسان الحق : يا من ائتمن على أمر يسير فحان ، قال بعض السلف : تسامحت بلقمة فتناولتها فأنا اليوم أربعين سنة إلى خلف ، فاللّه اللّه ! اسمعوا ممن قد جرّب ، كونوا على مراقبة ، وانظروا في العواقب ، واعرفوا عظمة الناهي ، واحذروا من نفخة تحتقر ، وشررة تستصغر فربما أحرقت بلدا . وهذا الذي أشرت إليه يسير يدل على كثير ، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من الذنوب ، والعلم والمراقبة يعرفانك ما أخللت بذكره ، ويعلمانك ان تلمحت بعين البصيرة أثر شؤم فعله ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . 85 - وجوب التوبة رأيت من نفسي عجبا تسأل اللّه عز وجل حاجاتها ، وتنسى جناياتها ، فقلت : يا نفس السوء أو مثلك ينطق ؟ فان نطق فينبغي أن يكون السؤال العفو فحسب . فقالت : فممّن أطلب مراداتي ؟ قلت : ما أمنعك من طلب المراد ، انما أقول حققي التوبة وانطقي ، كما نقول للعاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة لا يجوز له أن يأكل ، فإن قيل لنا : أفيموت . ؟ قلنا لا بل يتوب ويأكل ؟ فاللّه اللّه من جراءة على طلب الاغراض مع نسيان ما تقدم من الذنوب التي توجب تنكيس الرأس ، ولئن تشاغلت بإصلاح ما مضى والندم عليه جاءتك مراداتك ، كما روى : « من كان شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » ، وقد كان بشر الحافي يبسط يديه للسؤال ثم يسبلهما ويقول : مثلي لا يسأل ، ما أبقت الذنوب لي وجها .