ابن الجوزي

130

صيد الخاطر

والكسب وتعلقت هممهم بفتوح « 1 » يطرق عليهم الباب ، فرضوا بالعمى بعد البصر ، وبالزمن « 2 » بعد الاطلاق . فقالت لي النفس : لا أرضى هذا الذي تقوله ، فإنك انما تميل إلى ايثار نكاح المستحسنات والمطاعم والمشتهيات ، فإذا لم تكن من أهل التعبد فلا تطعن فيهم . فقلت لها : ان فهمت حدثتك ، وان كنت تقلدين صور الأحوال فلا فهم لك . أما المستحسنات فان المقصود من النكاح أشياء منها طلب الولد ، ومنها شفاء النفس باخراج الفضلة المؤذية « 3 » ، وكمال خروجها لا يكون الا بوجود المستحسن . واعتبر هذا بالوطء دون الفرج فإنه يخرج من الفضلات ما لا يخرج بالوطء في الفرج وبتمام خروج تلك الفضلة تفرغ النفس عن شواغلها ، فتدري أين هي ، كما نأمر القاضي بالأكل قبل الحكم ، وننهاه عن الحكم وهو غضبان أو حاقن . وبكمال بلوغ هذا الغرض يكون كمال الولد لتمام النطفة التي تخلق منها ، ثم للنفس حظ فهو يستوفيه استيفاء الناقة حظها من العلف في السفر ، وذلك يعين على سيرها . وأما المطاعم فالجاهل من بطلبها لذاتها أو لنفس لذّاتها . وإنما المراد إصلاح عدم الناقة لجمع همها ، ونيل مرادها من غرضها الصارف لها عن الفكر في هواها . وإذا تأملت حال الشرب الأول رأيت من هذا عجبا ، فان النبي صلّى اللّه عليه وسلم اختار لنفسه عائشة رضي اللّه عنها وكانت مستحسنة ، ورأى زينب فاستحسنها فتزوجها ، وكذلك اختار صفية « 4 » وكان إذا وصفت له امرأة بعث يخطبها « 5 » .

--> ( 1 ) أي بشيء يفتح به عليهم : عطية أو هدية . ( 2 ) أي الزمنة : المرض المزمن المقعد . ( 3 ) تقدم هذا المعنى مرارا . ( 4 ) كلا ، ولكن اختيار عائشة لمكانة أبي بكر ، وزينب امتثالا للامر ، وصفية لمصلحة سياسية ، ولو كان قصده الجمال ما كانت زوجاته الباقيات كلهن كبيرات ثيبات ، ولما رضي وهو في شرخ الشباب ، وهو قبل النبوة بخديجة وهي أكبر منه ولم يجمع معها غيرها على أن ابتغاء الجمال في الزواج مطلوب شرعا وهو من السنة ، وهو أدعى للألفة والاحصان . ( 5 ) متى كان ذلك ؟