ابن الجوزي
125
صيد الخاطر
ولم ينقطع أمله من فضل ربه « أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً » . وكذلك قال زكريا عليه السلام « وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا » فإياك أن تستطيل مدة الإجابة . وكن ناظرا إلى أنه المالك ، وإلى أنه الحكيم في التدبير ، والعالم بالمصالح ، وإلى أنه يريد اختبارك ليبلو أسرارك ، وإلى أنه يريد أن يرى تضرعك ، وإلى أنه يريد أن يأجرك بصبرك ، إلى غير ذلك . وإلى أنه يبتليك بالتأخير لتحارب وسوسة إبليس ، وكل واحدة من هذه الأشياء تقوي الظن في فضله ، وتوجب الشكر له إذ أهّلك بالبلاء للالتفات إلى سؤاله ، والفقر المضطر إلى اللجوء اليه غنى كله . 75 - اللذة والمنفعة لما كان بدن الآدمي لا يقوم إلا باجتلاب المصالح ودفع المؤذي ، ركب فيه الهوى ليكون سببا لجلب المنافع ، والغضب ليكون سببا لدفع المؤذي ، ولولا الهوى في المطعم ، ما تناول الطعام فلم يقم بدنه ، فجعل له اليه ميل وتوق . فإذا حصل له قدر ما يقيم بدنه زال التوق ، وكذلك في المشرب والملبس والمنكح . وفائدة المنكح من وجهين . أحدهما : إبقاء الجنس وهو معظم المقصودين . والثاني : دفع الفضلة المحتقنة المؤذي احتقانها ، ولولا تركيب الهوى المائل بصاحبه إلى النكاح ما طلبه أحد ، ففات النسل وآذى المحتقن . فأما العارفون فإنهم فهموا المقصود ، وأما الجاهلون فإنهم مالوا مع الشهوة والهوى ولم يفهموا مقصود وضعها فضاع زمانهم فيما لا طائل فيه ، وفاتهم ما خلقوا لأجله وأخرجهم هواهم إلى فساد المال وذهاب العرض والدين ، ثم أداهم إلى التلف . وكم قد رأينا من متنعم يبالغ في شراء الجواري ليحرك طبعه بالمستجد فما كان بأسرع من أن وهنت قواه الأصلية فتعجل تلفه . وكذلك رأينا من زاد غضبه فخرج عن الحد ففتك بنفسه وبمن يحبه . فمن علم أن هذه الأشياء إنما خلقت إعانة للبدن على قطع مراحل الدنيا ، ولم تخلق لنفس الالتذاذ وإنما جعلت اللذة فيها كالحيلة في إيصال النفع بها ، إذ لو كان المقصود التنعم بها لما جعلت الحيوانات البهيمية أوفى حظا من الآدمي منها ، فطوبى لمن فهم حقائق الوضع ، ولم يمل به الهوى عن فهم حكم المخلوقات .