ابن الجوزي

126

صيد الخاطر

76 - المعاصي من تأمل عواقب المعاصي رآها قبيحة ، ولقد تفكرت في أقوام أعرفهم يقرّون بالزنا وغيره ، فأرى من تعثرهم في الدنيا مع جلادتهم ما لا يقف عند حد ، وكأنهم قد ألبسوا ظلمة ، فالقلوب تنفر عنهم . فإن اتسع عليهم شيء فأكثره من مال الغير « 1 » ، وان ضاق بهم أمر أخذوا يتسخطون على القدر ، هذا وقد شغلوا بهذه الأوساخ عن ذكر الآخرة ، ثم عكست فتفكرت في أقوام صابروا الهوى ، وتركوا ما لا يحل . فمنهم من قد أينعت له ثمرات الدنيا من قوت مستلذ ، ومهاد مستطاب ، وعيش لذيذ ، وجاه عريض ، فإن ضاق بهم أمر وسعه الصبر ، وطيّبه الرضا ، ففهمت بالحال معنى قوله تعالى : « إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » . 77 - الأنس باللّه ينبغي للعاقل أن يلازم باب مولاه على كل حال ، وأن يتعلق بذيل فضله إن عصى وإن أطاع ، وليكن له أنس في خلوته به ، فان وقعت وحشة فليجتهد في رفع الموحش ، كما قال الشاعر : أمستوحش أنت مما جني * ت فأحسن إذا شئت واستأنس فان رأى نفسه مائلا إلى الدنيا طلبها منه ، أو إلى الآخرة سأله التوفيق للعمل لها ، فان خاف ضرر ما يرومه من الدنيا سأل اللّه اصلاح قلبه ، وطب مرضه ، فإنه إذا صلح لم يطلب ما يؤذيه . ومن كان هكذا كان في العيش الرغد غير أن من ضرورة هذه الحال ملازمة التقوى ، فإنه لا يصلح الأنس إلا بها ، وقد كان أرباب التقوى يتشاغلون عن كل شيء إلا عن اللّجء والسؤال ، وفي الخبر ، أن قتيبة بن مسلم لما صافّ « 2 » الترك هاله أمرهم فقال : أين محمد بن واسع ؟ فقيل هو في أقصى الميمنة جانح على سية قوسه يومي بإصبعه نحو السماء ، فقال قتيبة :

--> ( 1 ) غير لا تعرف ولا يقال فيها « الغير » لأنها أبلغ الالفاظ في التنكير ، وربما ألحق بها « كل » و « بعض » فمنع أن يقال « الكل » و « البعض » . ( 2 ) أي لما وقف حيالهم في الحرب .