ابن الجوزي

124

صيد الخاطر

73 - قوة الايمان تأملت أمرا عجيبا ، وأصلا ظريفا ، وهو انهيال الابتلاء على المؤمن ، وعرض صور اللذات عليه مع قدرته على نيلها ، وخصوصا ما كان في غير كلفة من تحصيله كمحبوب موافق في خلوة حصينة . فقلت : سبحان اللّه هاهنا يبين أثر الايمان لا في صلاة ركعتين ، واللّه ما صعد يوسف عليه السلام ولا سعد الا في مثل ذلك المقام ، فباللّه عليكم يا اخواني تأملوا حاله لو كان وافق هواه من كان يكون . وقيسوا بين تلك الحالة وحالة آدم عليه السلام ، ثم زنوا بميزان العقل عقبى تلك الخطيئة ، وثمرة هذا الصبر . واجعلوا فهم الحال عدة لكم عند كل مشتهى ، وان اللذات لتعرض على المؤمن فمتى لقيها في صف حربه وقد تأخر عنه عسكر التدبر للعواقب هزم ، وكأني أرى الواقع في بعض اشراكها ولسان الحال يقول له : قف مكانك ، أنت وما اخترت لنفسك ، فغاية أمره الندم والبكاء فان أمن اخراجه من تلك الهوة لم يخرج إلا موهونا بالخدوش ، وكم من شخص زلت قدمه فما ارتفعت بعدها . ومن تأمل ذل اخوة يوسف عليهم السلام يوم : « وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا » عرف شؤم الزلل ، ومن تدبر أحوالهم قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق ، وان كانت توبتهم قبلت ، لأنه ليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح ، ورب عظم هيض لم ينجبر ، فان جبر فعلى وهي . فتيقظوا اخواني لعرض المشتبهات على النفوس ، واستوثقوا من لجم الخيل ، وانتبهوا للغيم إذا تراكم بالصعود إلى تلعة فربما مدّ الوادي فراح بالركب . 74 - تأخر إجابة الدعاء تأملت حالة عجيبة وهي أن المؤمن تنزل به النازلة فيدعو ويبالغ فلا يرى أثرا للإجابة ، فإذا قارب اليأس نظر حينئذ إلى قلبه فإن كان راضيا بالاقدار غير قنوط من فضل اللّه عز وجل فالغالب تعجيل الإجابة حينئذ لأن هناك يصلح الايمان ويهزم الشيطان « 1 » ، وهناك تبين مقادير الرجال ، وقد أشير إلى هذا في قوله تعالى : « حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ : مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ » . وكذلك جرى ليعقوب عليه السلام فإنه لما فقد ولدا وطال الامر عليه لم ييأس من الفرج فأخذ ولده الآخر

--> ( 1 ) على هامش النسخة الخطية : لعله وتبعد وسوسة الشيطان .