ابن الجوزي
123
صيد الخاطر
يدعي العشق فيه ، ومنهم من يقول بالحلول ، ومنهم يسمع على وجه الهوى واللعب . وكلا الطريقين يفسد العوام الفساد العام . وهذا الشرح يطول ، وقد صنفت كتبا ترى فيها البسط الحسن إن شاء اللّه تعالى . منها ( تلبيس إبليس ) ، والمقصود أن تعلم أن الشرع تام كامل فان رزقت فهما له فأنت تتبع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وتترك بنيات الطريق ولا تقلد في دينك الرجال ، فإن فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصية أخرى ، واحذر جمود النّقلة ، وانبساط المتكلمين ، وجموح المتزهدين ، وشره أهل الهوى ، ووقوف العلماء على صورة العلم من غير عمل ، وعمل المتعبدين بغير علم ، ومن أيده اللّه تعالى بلطفه ورزقه الفهم ، وأخرجه عن ربقة التقليد ، وجعله أمة وحده في زمانه ، لا يبالي بمن عبث ولا يلتفت إلى من لام ، قد سلم زمامه إلى دليله في واضح السبيل ، عصمنا اللّه وإياكم من تقليد المعظمين ، وألهمنا اتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه درة الوجود ، ومقصود الكون « 1 » صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه ورزقنا اتباعه مع أتباعه . 72 - التقوى أصل السلامة اعلم أن الزمان لا يثبت على حال كما قال عز وجل : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » ، فتارة فقر وتارة غنى ، وتارة عز وتارة ذل ، وتارة يفرح الموالي وتارة يشمت الأعادي ، فالسعيد من لازم أصلا واحدا على كل حال ، وهو تقوى اللّه عز وجل فإنه ان استغنى زانته ، وان افتقر فتحت له أبواب الصبر ، وان عوفي تمت النعمة عليه ، وان ابتلي حملته ، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد ، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه ، لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير ، والتقوى أصل السلامة حارس لا ينام ، يأخذ باليد عند العثرة ، ويواقف على الحدود ، والمنكر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى فإنها ستحول وتخليه خاسرا ، ولازم التقوى في كل حال فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة ، وفي المرض إلا العافية ، هذا نقدها العاجل والآجل معلوم .
--> ( 1 ) ما معنى ( مقصود الكون ) ؟ ان الكون بمعنى الخلق ، واللّه بين أنه انما خلق الجن والانس لعبادته ، وليس في النقل ولا في العقل ان مقصود الكون محمد صلى اللّه عليه وسلم .