ابن الجوزي

120

صيد الخاطر

لهم الملاحدة أحاديث ، فلم يعلموا ما يجوز عليه مما لا يجوز ، فأثبتوا بها صفاته . وجمهور الصحيح منها آت على توسع العرب فأخذوه هم على الظاهر ، فكانوا في ضرب المثل كجحا ، فان أمه قالت له : احفظ الباب ، فقلعه ومشى به ، فأخذ ما في الدار ، فلامته أمه فقال : إنما قلت احفظ الباب ، وما قلت احفظ الدار ، ولما تخايلوا صورة عظيمة على العرش ، أخذوا يتأولون ما ينافي وجودها على العرش ، مثل قوله : « ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » . فقالوا : ليس المراد به دنو الباب ، وإنما المراد قرب المنزل والحظ ، وقالوا في قوله تعالى : « إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ » ، هو محمول على ظاهرها في مجيء الذات ، فهم يحلونه عاما ويحرمونه عاما ، ويسمون الإضافات إلى اللّه تعالى صفات ، فإنه قد أضاف اليه النفخ والروح . وأثبتوا خلقه باليد ، فلو قالوا خلقه لم يكن انكار هذا بل قالوا هي صفة تولى بها خلق آدم دون غيره ، فأي مزية كانت تكون لآدم ؟ فشغلهم النظر في فضيلة آدم ، عن النظر إلى ما هو يليق بالحق مما لا يليق به ، فإنه لا يجوز عليه المس ، ولا العمل بالآلات ، وإنما آدم أضافه اليه . فقالوا : نطلق على اللّه تعالى اسم الصورة لقوله : « خلق آدم على صورته » وفهموا هذا الحديث وهو قوله عليه السلام : إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه ، ولا يقل قبّح اللّه وجهك ولا وجها أشبه وجهك ، فان اللّه خلق آدم على صورته . فلو كان المراد به اللّه عز وجل لكان وجه اللّه سبحانه يشبه وجه هذا المخاصم لأن الحديث كذا جاء ، ولا وجها أشبه وجهك ، ورووا حديث خولة بنت حكيم : « وإن آخر وطأة وطئها اللّه بوج » وما علموا النقل ولا السير وقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم اشدد وطأتك على مضر » ، وان المراد به آخر وقعة قاتل فيها المسلمون بوج ، وهي غزاة حنين . فقالوا : نحمل الخبر على ظاهره وأن اللّه وطئ ذلك المكان ، ولا شك عندهم أن اللّه تعالى كان في الأرض ثم صعد إلى السماء ، وكذلك قالوا في قوله : « ان اللّه لا يمل حتى تملوا » ، قالوا : يجوز أن اللّه يوصف بالملل فجهلوا اللغة وما علموا أنه لو كانت حتى هاهنا للغاية لم تكن بمدح . لأنه إذا مل حين نمل فأي مدح . وإنما هو كقول الشاعر : جلبت مني هذيل بخرق * لا تمل الشر حتى يملوا والمعنى لا يمل وإن ملوا ، وقالوا في قوله عليه الصلاة والسلام : الرحم شجنة من الرحمن تتعلق بحقوي الرحمن . فقالوا : الحقو ، صفة ذات وذكروا أحاديث