ابن الجوزي
121
صيد الخاطر
لو رويت في نقض الوضوء ما قبلت وعمومها وضعته الملاحدة ، كما يروى عن عبد اللّه بن عمرو . قال : خلق اللّه الملائكة من نور الذراعين والصدر . فقالوا : نثبت هذا على ظاهره . ثم أرضوا العوام بقولهم ولا نثبت جوارح ، فكأنهم يقولون فلان قائم وما هو قائم ، فاختلف قولهم هل يطلق على اللّه عز وجل أنه جالس أو قائم كقوله تعالى : « قائِماً بِالْقِسْطِ » وهؤلاء أخس فهما من جحا لأن قوله قائما بالقسط لا يراد به القيام وإنما هو كما يقال الأمير قائم بالعدل . وإنما ذكرت بعض أقوالهم لئلا يسكن إلى شيء منها فالحذر من هؤلاء عبادة ، وإنما الطريق طريق السلف على أنني أقول لك قد قال أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليه : من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال ، فلا ينبغي أن تسمع من معظّم في النفوس شيئا في الأصول فتقلده فيه ، ولو سمعت عن أحد ما لا يوافق الأصول الصحيحة فقل هذا من الراوي لأنه قد ثبت عن ذلك الامام انه يقول بشيء من رأيه . فلو قدرنا صحته عنه فإنه لا يقلّد في الأصول ، ولا أبو بكر ولا عمر رضي اللّه عنهما ، فهذا أصل يجب البناء عليه فلا يهولنك ذكر معظم في النفوس ، وكان المقصود من شرح هذا أن ديننا سليم ، وإنما أدخل أقوام فيه ما تأذينا به ، ولقد أدخل المتزهدون في الدين ما ينفر الناس ، حتى أنهم يرون أفعالهم فيستبعدون الطريق ، وأكثر أدلة هذه الطريق القصّاص ، فان العامي إذا دخل إلى مجلسهم وهو لا يحسن الوضوء كلموه بدقائق الجنيد ، وإشارات الشبلي ، فرأى ذلك العاميّ أن الطريق الواضح لزوم زاوية وترك الكسب للعائلة ومناجاة الحق في خلوة على زعمه ، مع كونه لا يعرف أركان الصلاة ولا أدّبه العلم ، ولا قوّم أخلاقه مخالطة العلماء ، فلا يستفيد من خلوته إلا كما يستفيد الحمار من الإصطبل . فان امتد عليه الزمان في تقلله زاد يبسه فربما خايلت له الماليخوليا أشباحا يظنهم الملائكة ثم يطأطئ رأسه ، ويمد يده للتقبيل ، فكم قد رأينا من أكّار ترك الزرع وقعد في زاوية فصار إلى هذه الحالة فاستراح من تعبه ، فلو قيل له عد مريضا . قال : ما لي عادة . فلعن اللّه عادة تخالف الشريعة ، فيرى العامي بما يورده القصاص طريق الشرع هذه لا التي عليها الفقهاء ، فيقعون في الضلال . ومن المتزهدين من لا يبالي عمل بالشرع أم لا ، ثم تتفاوت جهالهم ، فمنهم من سلك مذهب الإباحة ويقول : « الشيخ لا يعارض » ، وينهمك في المعاصي .