ابن الجوزي
111
صيد الخاطر
فأقول : لا . إنما أعلمك أن المراد منك الايمان بالجمل ، وما أمرت بالتنقير ، مع أن قوى فهمك تعجز عن ادراك الحقائق ، فان الخليل عليه الصلاة والسلام قال : أرني كيف تحيي ، فأراه ميتا حيي ، ولم يره كيف أحياه . لأن قواه تعجز عن ادراك ذلك . وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي بعث ليبين للناس ما نزل إليهم ، يقنع من الناس بنفس الاقرار واعتقاد الجمل . وكذلك كانت الصحابة ، فما نقل عنهم أنهم تكلموا في تلاوة ومتلو ، وقراءة ومقروء ، ولا أنهم قالوا استوى بمعنى استولى وينزل بمعنى يرحم ، بل قنعوا بإثبات الجمل التي تثبت التعظيم عند النفوس ، وكفوا كف الخيال بقوله : « ليس كمثله شيء » . ثم هذا منكر ونكير ، إنما يسألان عن الأصول المجملة فيقولان : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن فهم هذا الفصل سلم من تشبيه المجسمة ، وتعطيل المعطلة ، ووقف على جادة السلف الأول ، واللّه الموفق . 62 - فوائد السمع والبصر قرأت هذه الآية : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ » فلاحت لي منها إشارة كدت أطيش منها ، وذلك أنه إن كان عنى بالآية نفس السمع والبصر فان السمع آلة لإدراك المسموع ، والبصر آلة لإدراك المبصرات ، فهما يعرضان ذلك على القلب ، فيتدبر ويعتبر ، فإذا عرضت المخلوقات على السمع والبصر ، أوصلا إلى القلب أخبارها من أنها تدل على الخالق ، وتحمل على طاعة الصانع ، وتحذّر من بطشه عند مخالفته ، وإن عنى معنى السمع والبصر ، فكذلك يكون بذهولهما عن حقائق ما أدركا ، شغلا بالهوى ، فيعاقب الانسان بسلب معاني تلك الآلات ، فيرى وكأنه ما رأى ، ويسمع وكأنه ما سمع ، والقلب ذاهل عما يتأذى به ، لا يدري ما يراد به ، لا يؤثر عنده أنه يبلى ، ولا تنفعه موعظة تجلى ، ولا يدري أين هو ، ولا المراد منه ، ولا إلى أين يحمل ، وإنما يلاحظ بالطبع مصالح عاجلته ولا يتفكر في خسران آجلته ، لا يعتبر برفيقه ، ولا يتعظ بصديقه ، ولا يتزود لطريقه كما قال الشاعر : الناس في غفلة والموت يوقظهم * وما يفيقون حتى ينفد العمر