ابن الجوزي

112

صيد الخاطر

يشيعون أهاليهم بجمعهم * وينظرون إلى ما فيه قد قبروا ويرجعون إلى أحلام غفلتهم * كأنهم ما رأوا شيئا ولا نظروا وهذه حالة أكثر الناس ، فنعوذ باللّه من سلب فوائد الآلات ، فإنها أقبح الحالات . 63 - في العشق نظرت فيما تكلم به الحكماء في العشق وأسبابه وأدويته وصنفت في ذلك كتابا سميته ب ( ذم الهوى ) ، وذكرت فيه عن الحكماء أنهم قالوا : سبب العشق حركة نفس فارغة ، وأنهم اختلفوا ، فقال قوم منهم : لا يعرض العشق إلا لظراف الناس . وقال آخرون : بل لأهل الغفلة منهم عن تأمل الحقائق . إلا أنه خطر لي بعد ذلك معنى عجيب أشرحه هاهنا : وهو أنه لا يتمكن العشق إلا مع واقف جامد ، فأما أرباب صعود الهمم فإنها كلما تخايلت ما توجبه المحبة فلاحت عيوبه لها ، إما بالفكر فيه أو بالمخالطة له ، تسلت وتعلقت بمطلوب آخر ، فلا يقف على درجة العشق الموجب للتمسّك بتلك الصورة ، العامي عن عيوبها ، إلا جامد واقف ، وأما أرباب الانفة من النقائص ، فإنهم أبدا في الترقي ، لا يصدهم صاد ، فإذا علقت الطباع محبة شخص لم يبلغوا مرتبة العشق المستأثر ، بل ربما مالوا ميلا شديدا ؛ اما في البداية لقلة التفكر أو لقلة المخالطة والاطلاع على العيوب ، وإما لتشتت بعض الخلال الممدوحة بالنفوس من جهة مناسبة وقعت بين الشخصين ، كالظريف مع الظريف ، والفطن مع الفطن ، فيوجب ذلك المحبة ، فأما العشق فلا . فهم أبدا في السير ، فلا يوقف وابل الطبع يتبع حادي الفهم ، فان للطبع متعلقا لا تجده في الدنيا ، لأنه يروم ما لا يصح وجوده من الكمال في الاشخاص ، فإذا تلمح عيوبها نفر ، وأما متعلق القلب من محبة الخالق البارئ ، فهو مانع لها من الوقوف مع سواه ، وان كانت محبته لا تجانس محبة المخلوقين ، غير أن أرباب المعرفة ولهى ، قد شغلهم حبه عن حب غيره ، وصارت الطباع مستغرقة لقوة معرفة القلوب ومحبتها كما قالت رابعة : أحب حبيبا لا أعاب بحبه * وأحببتم من في هواه عيوب ولقد روي عن بعض فقراء الزهاد أنه مر بامرأة فأعجبته ، فخطبها إلى أبيها ،