ابن الجوزي
110
صيد الخاطر
وهذه جناية عظيمة على الأنبياء ، توجب نقض ما تعبوا في بيانه ، ولا يجوز لعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالاثبات فيهوشها ، فإنه يفسده ويصعب صلاحه ، فأما العالم فإنا قد أمناه ، لأنه لا يخفى عليه استحالة تجدد صفة اللّه تعالى ، وأنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم ، ولا يجوز أن يكون محمولا ، ولا أن يوصف بملاصقة ومس ، ولا أن ينتقل ، ولا يخفى عليه أن المراد بتقليب القلوب بين إصبعين الاعلام بالتحكم في القلوب ، فان ما يدبره الانسان بين إصبعين هو متحكم فيه إلى الغاية . ولا يحتاج إلى تأويل من قال الأصبع الأثر الحسن ، فالقلوب بين أثرين من آثار الربوبية ، وهما : الإقامة والإزاغة . ولا إلى تأويل من قال : يداه نعمتان ، لأنه إذا فهم أن المقصود الاثبات . وقد حدثنا بما نعقل ، وضربت لنا الأمثال بما نعلم ، وقد ثبت عندنا بالأصل المقطوع به أنه لا يجوز عليه ما يعرفه الحس ، علمنا المقصود بذكر ذلك . وأصلح ما نقول للعوام : أمرّوا هذه الأشياء كما جاءت ، ولا تتعرضوا لتأويلها ، وكل ذلك يقصد به حفظ الاثبات ، وهذا الذي قصده السلف . وكان أحمد يمنع من أن يقال : لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق ، كل ذلك ليحمل على الاتباع ، وتبقى ألفاظ الاثبات على حالها ، وأجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي صلّى اللّه عليه وسلم تعظيمه ، فأضعف في النفوس قوى التعظيم ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ، يشير إلى المصحف . ومنع الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته تعظيما له ، فإذا جاء متحذلق فقال : الكلام صفة قائمة بذات المتكلم ، فمعنى قوله هذا ان ما هاهنا شيء يحترم ، فهذا قد ضادّ بما أتى به مقصود الشرع ، وينبغي أن يفهم أوضاع الشرع ومقاصد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقد منعوا من كشف ما قد قنّع الشرع ، فنهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الكلام في القدر ، ونهى عن الاختلاف ، لأن هذه الأشياء تخرج إلى ما يؤذي ، فان الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول : قضى وعاقب تزلزل إيمانه بالعدل ، وإن قال : لم يقدر ولم يقض تزلزل إيمانه بالقدرة والملك ، فكان الأولى ترك الخوض في هذه الأشياء ، ولعل قائلا يقول : هذا منع لنا عن الاطلاع على الحقائق ، وأمر بالوقوف مع التقليد .