ابن الجوزي

109

صيد الخاطر

السلف يرون تخليط القصاص « 1 » فينهون عن الحضور عندهم ، وهذا على الاطلاق لا يحسن اليوم ، لأنه كان الناس في ذلك الزمان متشاغلين بالعلم ، فرأوا حضور القصص صادا لهم ، واليوم كثر الاعراض عن العلم ، فأنفع ما للعامي مجلس الوعظ ، يرده عن ذنب ، ويحركه إلى توبة ، وإنما الخلل في القاص . فليتق اللّه عز وجل . 61 - الرد على المتأولين من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين والنفاة للصفات والإضافات ، فان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالغوا في الاثبات ليتقرر في أنفس العوام وجود الخالق ، فإن النفوس تأنس بالاثبات فإذا سمع العامي ما يوجب النفي طرد عن قلبه الاثبات ، فكان أعظم ضرر عليه ، وكان هذا المنزه من العلماء على زعمه ، مقاوما لإثبات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمحو ، وشارعا في إبطال ما يفتون به ، وبيان هذا أن اللّه تعالى أخبر باستوائه على العرش ، فأنست النفوس إلى اثبات الإله ووجوده ، قال تعالى : « وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ » وقال تعالى : « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » وقال « غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » * و « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » . * وأخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا وقال : قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ، وقال : كتب التوراة بيده ، وكتب كتابا فهو عنده فوق العرش ، إلى غير ذلك مما يطول ذكره . فإذا امتلأ العامي والصبي من الاثبات ، وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحسّ قيل له : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » فمحى من قلبه ما نقشه الخيال ، وتبقى ألفاظ الاثبات متمكنة ، ولهذا أقر الشرع على مثل هذا ، فسمع منشدا يقول : وفوق العرش رب العالمينا ، فضحك وقال له آخر : أو يضحك ربنا ؟ فقال نعم ، وقال : إنه على عرشه هكذا ، كل هذا ليقرر الاثبات في النفوس ، وأكثر الخلق لا يعرفون الاثبات إلا على ما يعلمون من الشاهد ، فيقع منهم بذلك إلى أن يفهموا التنزيه ، فأما إذا ابتدأ بالعامي الفارغ من فهم الاثبات . فقلنا : ليس في السماء ، ولا على العرش ، ولا يوصف بيد ، وكلامه صفة قائمة بذاته ، وليس عندنا منه شيء ، ولا يتصور نزوله ، امّحى من قلبه تعظيم المصحف ، ولم يتحقق في سره اثبات إله .

--> ( 1 ) القصاص في الاصطلاح القديم الوعاظ . وقد غلط من لا فهم له ولا علم عنده فحسبهم مثل أهل القصص من أدباء الغرب - من ذلك ما كتب شفيق جبري في كتابه الذي درس فيه الأغاني لأبي الفرج وهو كتاب فيه دعوى عريضة وجهل بين .