ابن الجوزي
108
صيد الخاطر
60 - المنكرات في مجالس الصوفية والوعاظ تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ يعتقدها العوام وجهال العلماء قربة وهي منكر وبعد ، وذاك أن المقرئ يطرب ويخرج الألحان إلى الغناء ، والواعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون وليلى ، فيصفق هذا ، ويخرق ثوبه هذا ، ويعتقد أن ذلك قربة ومعلوم أن هذه الألحان كالموسيقى ، يوجب طربا للنفوس ، فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم . وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا « 1 » ، وكذلك المقابريون منهم ، فإنهم يهيجون الأحزان ليكثر بكاء النساء ، فيعطون على ذلك الأجرة ، ولو أنهم أمروا بالصبر لم ترد النسوة ذلك ، وهذا أضداد للشرع ، قال ابن عقيل : حضرنا عزاء رجل قد مات له ولد ، فقرأ المقرئ : يا أسفى على يوسف ، فقلت له : هذه نياحة بالقرآن . وفي الوعاظ من يتكلم على طريق المعرفة والمحبة ، فترى الحائك والسوقي الذي لا يعرف فرائض تلك الصلاة يمزق أثوابه دعوى لمحبة اللّه تعالى ، والصافي حالا منهم وهو أصلحهم يتخايل بوهمه شخصا هو الخالق ، فيبكيه شوقه اليه لما يسمع من عظمته ورحمته وجماله ، وليس ما يتخايلونه المعبود ، لأن المعبود لا يقع في خيال ، وبعد هذا فالتحقيق مع العوام صعب ، ولا يكادون ينتفعون بمر الحق ، إلا أن الواعظ مأمور بأن لا يتعدى الصواب ، ولا يتعرض لما يفسدهم ، بل يجذبهم إلى ما يصلح بألطف وجه ، وهذا يحتاج إلى صناعة ، فان من العوام من يعجبه حسن اللفظ ، ومنهم من يعجبه الإشارة ، ومنهم من ينقاد ببيت من الشعر ، وأحوج الناس إلى البلاغة الواعظ ليجمع مطالبهم ، لكنه ينبغي أن ينظر في اللازم الواجب ، وأن يعطيهم من المباح في اللفظ ، قدر الملح في الطعام ، ثم يجتذبهم إلى العزائم ، ويعرفهم الطريق الحق . وقد حضر أحمد بن حنبل فسمع كلام الحارث المحاسبي فبكى . ثم قال : لا يعجبني الحضور . وإنما بكى لأن الحال أوجبت البكاء ، وقد كان جماعة من
--> ( 1 ) أي ينبغي للمحتسب أن يمنعهم منه - وقد بطلت الآن وظيفة المحتسب ، وانظر الكلام عنها في كتاب ( الأحكام السلطانية ) .