ابن الجوزي
7
صيد الخاطر
- 4 - وأنا قديم التعظيم لابن الجوزي ، قديم الحب له ، ولقد كان كتابه في سيرة عمر بن عبد العزيز الذي نشره خالي الأستاذ محب الدين الخطيب سنة ( 1331 ) ه من أوائل ما قرأت من الكتب ، وقد خلّف في نفسي أثرا لا يزول ، وكان من أسباب الرشاد لي والحمد للّه ؛ ولرب كلمة يسمعها الناشئ ، أو كتاب يقرؤه ، أو انسان يصحبه ، يكون سبب دخوله الجنة أو دخوله النار ، ويكون بداية سيره في طريق الخير أو في طريق الشر ، فلينتبه الشبان لما يقرءون ولمن يصحبون ، ولينتبه قبل ذلك آباؤهم ، فليختاروا لهم المدارس التي تعلمهم ما ينفعهم ، وتثبت عليهم ايمانهم وأخلاقهم ، ولا يكون ذلك الا إن كان القائمون عليها ، والمدرسون فيها من أهل الدين والتقوى والعلم بالشريعة والعمل بما يعلمونه منها . - 5 - رأيت ابن الجوزي في هذه السيرة مؤرخا جامعا ، واسع الرواية ، ثم قرأت له « تلبيس إبليس » فوجدت فيه محدثا فقيها ناقدا بصيرا ، يزن الناس بميزان السنة الصحيحة فيرفع من يرجح في هذا الميزان ، ويخفض من يكون مرجوحا ، لا يبالي في الحق كبيرا ولا صغيرا ، ولا يخدعه عن حقيقة المرء سعة جاهه وشهرته بالصلاح ، ولقد كان هذا الكتاب أول ما نبهني إلى انحرافات بعض الصوفية عن طريق السنة . ثم قرأت له كتاب ( الأذكياء ) الذي جمع فيه من أخبار أذكياء الملوك والقضاة والأطباء كل معجب مطرب ، وقرأت له كتابا في « أخبار الحمقى والمغفلين » فيه من النوادر والطرائف ما يضحك الحزين . ولما أراد صديقنا ( يومئذ ) الأستاذ حسام الدين القدسي أن يطبع كتابه في « . أخبار الظراف والمتماجنين » كلفني أن أقدم له بكلمة فكتبتها ، وهذه المقدمة من آثار الشباب التي لا أرتضيها وقد كتبتها سنة طبع الكتاب وهي سنة 1347 ه أي قبل ثلث قرن كامل . - 6 - وعجبت من كثرة الموضوعات التي ألّف فيها ، ثم رأيت كتاب « عقود الجوهر