ابن الجوزي
105
صيد الخاطر
وقد ذكر عندها رجل من العباد يلتقط من مزبلة فيأكل ، فقيل : هلا سأل اللّه تعالى أن يجعل رزقه من غير هذا ؟ فقالت : إن الراضي لا يتخير ومن ذاق طعم المعرفة ، وجد فيه طعم المحبة ، فوقع الرضا عنده ضرورة « 1 » ، فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة ، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة ، لعل ذلك يورث المحبة ، فقد قال سبحانه وتعالى ( أي في الحديث القدسي ) : « لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » . فذلك الغنى الأكبر ، ووا فقراه . 56 - حاجة طالب العلم إلى المعاش رأيت جمهور العلماء يشغلهم طلبهم للعلم في زمن الصبا عن المعاش ، فيحتاجون إلى ما لا بد منه ، فلا يصلهم من بيت المال شيء ، ولا من صلات الاخوان ما يكفي ، فيحتاجون إلى التعرض بالاذلال ، فلم أر في ذلك من الحكمة إلا سببين ، أحدهما : قمع إعجابهم بهذا الاذلال ، والثاني : نفع أولئك بثوابهم ، ثم أمعنت الفكر فتلمحت نكتة لطيفة ، وهو أن النفس الأبية إذا رأت حال الدنيا كذلك لم تساكنها بالقلب ، ونبت عنها بالعزم ، ورأت أقرب الأشياء شبها بها مزبلة عليها الكلاب ، أو غائطا يؤتى لضرورة ، فإذا نزل الموت بالرحلة عن مثل هذه الدار ، لم يكن للقلب بها متعلق متمكن فتهون حينئذ . 57 - وجوب التلطف بالبدن والرد على المتزهدين ما زال جماعة من المتزهدين يزرون على كثير من العلماء إذا انبسطوا في مباحات ، والذي يحملهم على هذا الجهل ، فلو كان عندهم فضل علم ما عابوهم ، وهذا لأن الطباع لا تتساوى ، فرب شخص يصلح على خشونة العيش ، وآخر لا يصلح على ذلك ، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو ، إن لنا ضابطا هو الشرع ، فيه الرخصة وفيه العزيمة ، فلا ينبغي أن يلام من حصر نفسه في ذلك الضابط ، ورب رخصة كانت أفضل من عزائم ، لتأثير نفعها ، ولو علم
--> ( 1 ) هذا إذا بذل الجهد في اتخاذ الأسباب للوصول إلى أطيب من هذا المطعم وسلك كل طريق حلال يوصل اليه ، وسأل اللّه خيرا منه ، ثم لم يجد غيره ، أما من غير سعي ولا عمل فلا .