ابن الجوزي
106
صيد الخاطر
المتزهدون أن العلم يوجب المعرفة باللّه تعالى ، فتنبت القلوب من خوفه ، وتنحلّ الأجسام للحذر منه فوجب التلطف بالأجسام حفظا لقوة الراحلة ، ولأن آلة العلم والحفظ ، القلب والفكر ، فإذا رفهت الآلة جاد العمل ، وهذا أمر لا يعلم إلا بالعلم ، فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا ، وظنوا أن المراد إتعاب الأبدان ، وإنضاء الرواحل ، وما علموا أن الخوف المضني يحتاج إلى راحة مقاومة ، كما قال القائل : روحوا القلوب تعي الذكر . 58 - علم الورق وعلم الخرق ليس في الوجود شيء أشرف من العلم ، كيف لا وهو الدليل ، فإذا عدم وقع الضلال ، وان من خفي مكايد الشيطان أن يزين في نفس الانسان التعبد ليشغله عن أفضل التعبد وهو العلم ، حتى إنه زين لجماعة من القدماء أنهم دفنوا كتبهم ورموها في البحر ، وهذا قد ورد عن جماعة ، وأحسن ظني بهم أن أقول : كان فيها شيء من رأيهم وكلامهم فما أحبوا انتشاره ، وإلا فمتى كان فيها علم مفيد صحيح لا يخاف عواقبه ، كان رميها إضاعة للمال لا يحل ، وقد دنت حيلة إبليس إلى جماعة من المتصوفة حتى منعوا من حمل المحابر تلامذتهم ، حتى قال جعفر الخلدي : لو تركني الصوفية جئتكم بأسناد الدنيا . كتبت مجلسا عن أبي العباس الدوري فلقيني بعض الصوفية فقال : دع علم الورق ، وعليك بعلم الخرق . ورئيت محبرة مع بعض الصوفية ، فقال له صوفي : استر عورتك . وقد أنشدوا للشبلي : إذا طالبوني بعلم الورق * برزت عليهم بعلم الخرق وهذا من خفي حيل إبليس ، ولقد صدق عليهم ظنه ، وإنما فعل وزينه عندهم لسببين ، أحدهما : أنه أرادهم يمشون في الظلمة ، والثاني : ان تصفح العلم كل يوم يزيد في العالم ، ويكشف له ما كان خفي عنه ، ويقوي إيمانه ومعرفته ، ويريه عيب كثير من مسالكه ، إذا تصفح منهاج الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والصحابة ، فأراد إبليس سد تلك الطرق بأخفى حيله ، فأظهر أن المقصود العمل لا العلم لنفسه ، وخفي على المخدوع أن العلم عمل وأي عمل ، فاحذروا من هذه الخديعة الخفية ، فإن العلم هو الأصل الأعظم ، والنور الأكبر ، وربما كان تقليب الأوراق أفضل من