ابن الجوزي
104
صيد الخاطر
وبعليّ إلا مثل ابن ملجم ؟ أفيصح أن يقتل يحيى بن زكريا إلا جبار كافر ؟ ولو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا لرأت المسبب لا الأسباب ، والمقدّر لا الأقدار ، فصبرت على بلائه ، إيثارا لما يريد ، ومن هاهنا ينشأ الرضى ، كما قيل لبعض أهل البلاء : ادع اللّه بالعافية ، فقال : أحبّه إليّ أحبه إلى اللّه عز وجل . إن كان رضاكم في سهري * فسلام اللّه على وسني 55 - درجات الرضى بالقضاء لما أنهيت كتابة الفصل المتقدم ، هتف بي هاتف من باطني : دعني من شرح الصبر على الأقدار ، فاني قد اكتفيت بأنموذج ما شرحت ، وصف حال الرضا فاني أجد نسيما من ذكره فيه روح للرّوح ، فقلت : أيها الهاتف اسمع الجواب ، وافهم الصواب . إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة ، فإذا عرفته رضيت بقضائه ، وقد يجري في ضمن القضاء مرارات ، يجد بعض طعمها الراضي ، أما العارف فتقل عنده المرارة لقوة حلاوة المعرفة ، فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة ، صارت مرارة الأقدار ، حلاوة كما قال القائل : عذابه فيك عذب * وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي * بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني * لما تحب أحب وقال بعض المحبين في هذا المعنى : ويقبح من سواك الفعل عندي * فتفعله فيحسن منك ذاكا فصاح بي الهاتف : حدثني بما ذا أرضى ؟ قدر أني أرضى في أقداره بالمرض والفقر ، أفأرضى بالكسل عن خدمته ، والبعد عن أهل جنته ؟ فبين لي ما الذي يدخل تحت الرضا ، مما لا يدخل ، فقلت له : نعم ما سألت ، فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع وهو شهيد ، ارض بما كان منه ، فأما الكسل والتخلف فذاك منسوب إليك ، فلا ترض به من فعلك ، وكن مستوفيا حقه عليك ، مناقشا نفسك فيما يقربك منه ، غير راض منها بالتواني في المجاهدة ، فأما ما يصدر من أقضيته المجردة التي لا كسب لك فيها ، فكن راضيا بها ، كما قالت رابعة رحمة اللّه عليها ،