ابن الجوزي

101

صيد الخاطر

وقد كان ابن عباس رضي اللّه عنهما يقول : إني لأحب أن أتزين للمرأة ، كما أحب أن تتزين لي ، وفي الناس من يقول : هذا تصنع وليس بشيء ، فان اللّه تعالى زيننا لما خلقنا ، لأن للعين حظا في النظر ، ومن تأمل أهداب العين والحاجبين ، وحسن ترتيب الخلقة ، علم أن اللّه تعالى زين الآدمي ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنظف الناس وأطيب الناس . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم يرفع يديه ، حتى تبين عفرة إبطيه . وكانت ساقه ربما انكشفت فكأنها جمّارة « 1 » ، وكان لا يفارقه السواك ، وكان يكره أن يشم منه ريح ليست طيبة . وفي حديث أنس الصحيح : ما شانه اللّه ببيضاء « 2 » . وقد قالت الحكماء : من نظف ثوبه قلّ همه ، ومن طاب ريحه زاد عقله ، وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : « ما لكم تدخلون عليّ قلحا « 3 » . استاكوا » وقد فضلت الصلاة بالسواك ، على الصلاة بغير سواك ، فالمتنظف ينعم نفسه ، ويرفع منها عتدها ، وقد قالت الحكماء : من طال ظفره قصرت يده . ثم إنه يقرب من قلوب الخلق ، وتحبه النفوس ، لنظافته وطيبه ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يحب الطيب ، ثم إنه يؤنس الزوجة بتلك الحال ، فان النساء شقايق الرجال ، فكما أنه يكره الشيء منها فكذلك هي تكرهه ، وربما صبر هو على ما يكره وهي لا تصبر ، وقد رأيت جماعة يزعمون أنهم زهاد ، وهم من أقذر الناس ، وذلك أنهم ما قوّمهم العلم ، وأما ما يحكى عن داود الطائي : أنه قيل له لو سرحت لحيتك ، فقال : اني عنها مشغول ، فهذا قول معتذر عن العمل بالسنة ، والاخبار عن غيبته عن نفسه بشدة خوفه من الآخرة ، ولو كان مفيقا لذلك لم يتركه ، فلا يحتج بحال المغلوبين ، ومن تأمل خصائص الرسول صلّى اللّه عليه وسلم رأى كاملا في العلم والعمل ، فبه يكون الاقتداء وهو الحجة على الخلق . 53 - خطأ المبالغة في اتقاء الحر والبرد تأملت مبالغة أرباب الدنيا في اتقاء الحر والبرد . فرأيتها تعكس المقصود في باب الحكمة . وإنما تحصل مجرد لذة ولا خير في لذة تعقب ألما . فأما الحرّ فإنهم يشربون الماء المثلوج ، وذلك على غاية في الضرر ، وأهل الطب يقولون : انه

--> ( 1 ) جمارة النخلة باطن جذعها ، وهو يؤكل اليوم غضا في العراق . ( 2 ) أي انه لم يشب . والحديث في مسلم . ( 3 ) القلحة صفرة الأسنان .