ابن الجوزي
102
صيد الخاطر
يحدث أمراضا صعبة يظهر أثرها في وقت الشيخوخة . ويصنعون الخيوش « 1 » المضاعفة ، وفي البرد يصنعون اللبود المانعة للبرد ، وهذا من حيث الحكمة يضادّ ما وضعه اللّه تعالى . فإنه جعل الحر لتحلل الأخلاط ، والبرد لجمودها ، فيجعلون هم جميع السنة ربيعا ، فتعكس الحكمة التي وضع الحر والبرد لها ، ويرجع الأذى على الأبدان ، ولا يظنن سامع هذا أني آمره بملاقاة الحر والبرد وإنما أقول له : لا يفرط في التوقي ، ويعرض في الحر لما يحلل بعض الأخلاط ، إلى حد لا يؤثر في القوة ، وفي البرد بأن يصيبك منه الأمر القريب لا المؤذي ، فان الحر والبرد لمصالح البدن . وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد أصلا فمات عاجلا ، وقد ذكرت قصته في كتاب لقط المنافع في علم الطب . 54 - الصبر على القضاء ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء ، ولا فيه أفضل من الرضى به ، فأما الصبر فهو مرض ، وأما الرضى فهو فضل ، وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس ، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن ، بل هو يتنوع ، حتى يتحير العقل في جريان القدر ، فمن ذلك : أنك إذا رأيت مغمورا بالدنيا قد سالت له أوديتها حتى لا يدري ما يصنع بالمال ، فهو يصوغه أواني يستعملها ، ومعلوم أن البلور والعقيق والشّبه ، قد يكون أحسن منها صورة ، غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت عنده وجود النهي كعدمه ، ويلبس الحرير ، ويظلم الناس ، والدنيا منصبّة عليه ، ثم يرى خلقا من أهل الدين ، وطلاب العلم ، مغمورين بالفقر والبلاء ، مقهورين تحت ولاية ذلك الظالم ، فحينئذ يجد الشيطان طريقا للوسواس ، ويبتدي بالقدح في حكمة القدر ، فيحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من الضر في الدنيا ، وعلى جدال إبليس في ذلك ، وكذلك في تسليط الكفار على المسلمين والفساق على أهل الدين . وأبلغ من هذا إيلام الحيوان ، وتعذيب الأطفال ، ففي مثل هذه المواطن يتمحض الايمان ، ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل : أما النقل فالقرآن والسنة .
--> ( 1 ) عادة عراقية باقية إلى الآن هي وضع الخيش على النوافذ ورشه بالماء باستمرار لترطيب الجو في حرارة الصيف .