ابن الجوزي

100

صيد الخاطر

ثم قام يصلي صلاة الاستسقاء ، وما هذه الحالة إلا كحال من سافر على التجريد « 1 » ، وإنما سافر على التجريد لأنه يجرب بربه عز وجل هل يرزقه أو لا ، وقد تقدم الأمر اليه : « وتزودوا » فقال : لا أتزود . فهذا هالك قبل أن يهلكه ، ولو جاء وقت صلاة وليس معه ماء ليم على تفريطه ، وقيل له : هلا استصحبت الماء قبل المفازة ، فالحذر الحذر من أفعال أقوام دققوا فمرقوا عن الأوضاع الدينية ، وظنوا أن كمال الدين بالخروج عن الطباع ، والمخالفة للأوضاع ، ولولا قوة العلم والرسوخ فيه ، لما قدرت على شرح هذا ولا عرفته . فافهم ما أشرت اليه ، فهو أنفع لك من كراريس تسمعها ، ولكن مع أهل المعاني لا مع أهل الحشو . 52 - النظافة تلمحت على خلق كثير من الناس اهمال أبدانهم ، فمنهم من لا ينظف فمه بالخلال بعد الأكل ، ومنهم من لا ينقي يديه في غسلها من الزهم ، ومنهم من لا يكاد يستاك ، وفيهم من لا يكتحل ، وفيهم من لا يراعي الإبط إلى غير ذلك . فيعود هذا الاهمال بالخلل في الدين والدنيا ، أما الدين فإنه قد أمر المؤمن بالتنظف والاغتسال للجمعة لأجل اجتماعه بالناس ، ونهى عن دخول المسجد إذا أكل الثوم ، وأمر الشرع بتنقية البراجم « 2 » ، وقص الأظفار . والسواك ، والاستحداد « 3 » ، وغير ذلك من الآداب ، فإذا أهمل ذلك ترك مسنون الشرع . وربما تعدى بعض ذلك إلى فساد العبادة ، مثل أن يهمل أظفاره فيجمع تحته الوسخ المانع للماء في الوضوء أن يصل ، وأما الدنيا فاني رأيت جماعة من المهملين أنفسهم ، يتقدمون إلى السرار « 4 » والغفلة التي أوجبت اهمالهم أنفسهم ، أوجبت جهلهم بالأذى الحادث عنهم . فإذا أخذوا في مناجاة السر ، لم يمكن أن أصدف عنهم ، لأنهم يقصدون السر ، فألقى الشدائد من ريح أفواههم ، ولعل أكثرهم من وقت انتباههم ما أمرّ إصبعه على أسنانه ، ثم يوجب مثل هذا نفور المرأة ، وقد لا تستحسن ذكر ذلك للرجل ، فيثمر ذلك التفاتها عنه .

--> ( 1 ) أي بلا زاد ولا رفقة ، وهذا السفر معصية لأنه مخالف للسنة والمدار في الطاعات كلها على الاتباع واقتفاء أثر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولا خير فيما خالف السنة . انظر ( الفصل 140 ) . ( 2 ) مفاصل الأصابع . ( 3 ) يريد التعطر والتطيب . ( 4 ) أي يدنو منك ليكلمك سرا فيؤذيك بريحه .