ابن الجوزي
99
صيد الخاطر
وكان معنى حالي أن ما وضعت لا يفيد وإن وجوده كالعدم « 1 » . وما زالت الأسباب في الشرع « 2 » كقوله تعالى : « وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ » . وقال تعالى : « فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ » وقد ظاهر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بين درعين ، وشاور طبيبين ، ولما خرج إلى الطائف لم يقدر على دخول مكة حتى بعث إلى المطعم بن عدي فقال : أدخل في جوارك ، وقد كان يمكنه أن يدخل متوكلا بلا سبب . فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب ، كان إعراضي عن الأسباب دفعا للحكمة ، ولهذا أرى أن التداوي مندوب اليه ، وقد ذهب صاحب مذهبي « 3 » إلى أن ترك التداوي أفضل ، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا ، فان الحديث الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : ما أنزل اللّه داء إلا وأنزل له دواء فتداووا . ومرتبة هذه اللفظة الأمر ، والأمر إما أن يكون واجبا ، أو ندبا ولم يسبقه حظر فيقال ، هو أمر إباحة ، وكانت عائشة رضي اللّه عنها تقول : تعلمت الطب من كثرة أمراض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وما ينعت له . وقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « كل من هذا فإنه أوفق لك من هذا » ومن ذهب إلى أن تركه أفضل احتج بقوله عليه الصلاة والسلام : « يدخل الجنة سبعون ألفا بلا حساب » ثم وصفهم فقال : « لا يكتوون ولا يسترقون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون » وهذا لا ينافي التداوي ، لأنه قد كان أقوام يكتوون لئلا يمرضوا ويسترقون لئلا تصيبهم نكبة ، وقد كوى عليه الصلاة والسلام سعد بن زرارة ، ورخص في الرقية في الحديث الصحيح ، فعلمنا أن المراد ما أشرنا اليه . وإذا عرفت الحاجة إلى اسهال الطبع ، رأيت أن أكل البلوط مما يمنع منه علمي ، وشرب ماء التمر هندي أوفق ، وهذا طب ، فإذا لم أشرب ما يوافقني ، ثم قلت : اللهم عافني ، قالت لي الحكمة : أما سمعت : « اعقلها وتوكل ؟ » اشرب وقل عافني ، ولا تكن كمن بين زرعه وبين النهر كف من تراب ، تكاسل أن يرفعه بيده ،
--> ( 1 ) يوجز المؤلف أحيانا حتى يغيب المعنى ، وهو يريد ان يقول هنا ان الحكم والأسباب من خلق اللّه ، فإن كان الاخذ بها لا يفيد كان وجودها كعدمها . ( 2 ) أي ما زالت موجودة معترفا بها ( 3 ) يعني به الإمام أحمد بن حنبل .