ابن الجوزي

97

صيد الخاطر

فلما أتمت القصيدة قال لكاتبه : اقطع لسانها . فجاء ذاك الكاتب المغفل بالموسى . فقالت له : ويلك انما قال أجزل لها العطاء . ثم ذهبت إلى الحجاج فقالت : كاد واللّه يقطع مقولي . فكذلك الظاهرية الذين لم يسلموا بالتسليم ، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد لم ألمه . وهذه طريقة السلف . فأما من قال : الحديث يقتضي كذا ، ويحمل على كذا ، مثل أن يقول استوى على العرش بذاته ، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل ، ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له ابن عبد البر صنف كتاب التمهيد فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا فقال : هذا يدل على أن اللّه تعالى على العرش لأنه لولا ذلك لما كان لقوله ينزل معنى وهذا كلام جاهل العرفة اللّه عز وجل ، لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الأجسام فقاس صفة الحق عليه . فأين هؤلاء واتباع الأثر ، ولقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون ، ثم عابوا المتكلمين . واعلم أيها الطالب للرشاد ، أنه قد سبق الينا من العقل والنقل أصلان راسخان . عليهما مر الأحاديث كلها « 1 » ، أما النقل فقوله سبحانه وتعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » . ومن فهم هذا لم يحمل وصفا له على ما يوجبه الحس . وأما العقل فإنه قد علم مباينة الصانع للمصنوعات ، واستدل على حدوثها بتغيرها ، ودخول الانفعال عليها ، فثبت له قدم الصانع ، وا عجبا كل العجب من راد لم يفهم ؟ أليس في الحديث الصحيح أن الموت يذبح بين الجنة والنار ، أو ليس العقل إذا استفتي في هذا صرف الامر عن حقيقته لما ثبت عند من يفهم ماهية الموت فقال : الموت عرض يوجب بطلان الحياة . فكيف يمات الموت ؟ فإذا قيل له : فما تصنع بالحديث ؟ . قال : هذا ضرب مثلا بإقامة صورة ليعلم بتلك الصورة الحسية فوات ذلك المعنى . قلنا له : فقد روي في الصحيح « تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان » فقال : الكلام لا يكون غمامة ، ولا يتشبه بها ، قلنا له : أفتعطل النقل ، قال : لا ، ولكن يأتي ثوابهما ، قلنا : فما الدليل الصارف لك عن هذه الحقائق . فقال : علمي : بأن الكلام لا يتشبه

--> ( 1 ) لا تثبت العقيدة الا بالدليل القطعي ، بالآية أو الحديث المتواتر تواترا حقيقيا ، ان كان هذا لدليل لا يحتمل التأويل .