الزمخشري
178
ربيع الأبرار ونصوص الأخبار
شديد القوى ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان واللّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ، ويعاقب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان واللّه يجيبنا إذا سألناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن واللّه مع تقربه لنا ، وقربه منا ، لا نكلمه هيبة ، ولا نبتدئه لعظمه ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد باللّه لرأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتملل تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني الآن أسمعه يقول : يا دنيا إلي تعرضت ، أم تشوفت ؟ هيهات ، هيهات ، غري غيري ، قد بعتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كبير ، آه من قلّة الزاد ووحشة الطريق . قال : فوكفت دموع معاوية ما يملكها على لحيته ، وهو يمسحها ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، وقال : رحم اللّه أبا حسن ، كان واللّه كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزني عليه واللّه حزن من ذبح واحدها في حجرها ، فلا ترقأ عبرتها ، ولا تسكن حرارتها . ثم قام فخرج . وخرج يوما من منزله فإذا قوم جلوس ، قال : من أنتم ؟ قالوا نحن شيعتك ، قال : سبحان اللّه ! ! ما لي لا أرى عليكم سيما « 1 » الشيعة ؟ قالوا : وما سيما الشيعة ؟ قال : عمش العيون من البكاء ، خمص البطون من الصيام ، دبل الشفاه من الدعاء ، صفر الألوان من السهر ، على وجوههم غبرة الخاشعين . 114 - حذيفة « 2 » : ما منا أحد يفتش إلّا فتش عن جائفة « 3 » أو نقلة « 4 »
--> ( 1 ) سيما : علامة . ( 2 ) حذيفة : هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ( 3 ) الجائفة : الشنار والعيب . ( 4 ) النقلة : النميمة .