محمد بن وليد الطرطوشي
89
سراج الملوك
ومن الشعر المستحسن في هذا الباب قول القائل « * » : ربّ ورقاء هتوف بالضّحى * ذات شجو صدحت في فنن « 1 » ذكرت إلفا ودهرا صالحا * فبكت حزنا فهاجت حزنى « 2 » فبكائى ربّما أرّقها * وبكاها ربّما أرّقنى « 3 » فإذا تسعدني أسعدها * وإذا أسعدها تسعدني ولقد تشكو فما أفهمها * ولقد أشكو فما تفهمنى غير أنّى بالجوى أعرفها * وهي أيضا بالجوى تعرفني « 4 » * * * فصل في بعض الأخبار والمواعظ « * * » : ونظر رجل من العبّاد إلى باب ملك من الملوك ، وقد شيّده وأتقنه ، وزوّقه ، فقال : باب حديد ، وموت عتيد « 5 » ، ونزع شديد ، وسفر بعيد . ولما ثقل عبد الملك بن مروان « 6 » رأى غسّالا يلوي بيده ثوبا ، فقال : وددت أنّي كنت غسّالا ، لا أعيش إلا بما أكسبه يوما فيوما ، فبلغ ذلك أبا حازم « 7 » فقال : « الحمد لله الذي جعلهم يتمنّون عند الموت ما نحن فيه ، ولا نتمنّى عنده ما هم فيه » .
--> * قائل هذه الأبيات : أبو البقاء الرندي في الحنين إلى الوطن . ( 1 ) الورقاء : الحمامة ، هتفت الحمامة : ناحت وصاحت ومدّت صوتها . الحمامة الهتوف : كثيرة الهتاف . صدحت : رفعت صوتها بالغناء . الفنن : الغصن المستقيم . ( 2 ) الإلف : الصديق والمؤانس ومن تألفه النفس . الحزن والحزن : الهم وخلاف السرور . ( 3 ) أرّقني : إيراقا وتأريقا : أسهرني وأذهب عني النوم في الليل . ( 4 ) الجوى : شدة الوجد من حزن أو عشق . * * من إضافات المحقق . ( 5 ) العتيد : الحاضر والمهيّأ . ( 6 ) عبد الملك بن مروان : الخليفة الأموي الخامس ، سبقت ترجمته . ومعنى ثقل : اشتد مرضه . ( 7 ) أبو حازم : سلمه بن دينار المخزومي ، ويقال له : الأعرج ، عالم المدينة وقاضيها وشيخها ، كان زاهدا عابدا مات سنة 140 ه . ( الأعلام 3 / 113 ) .