محمد بن وليد الطرطوشي

88

سراج الملوك

ثم غبت عنها نحوا من خمسمائة عام ، ثم انتهيت إليها ، وإذا ذلك البحر قد غاض ماؤه ، وإذا مكانه غيضة « 1 » ملتفّة بالقصب والبرديّ « 2 » والسّياع « 3 » ، وإذا صيادون يصيدون السمك في زوارق صغار ، فقلت لبعضهم : أين البحر الذي كان هاهنا ؟ فقال : سبحان الله ، ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان هاهنا قط بحر . فغبت عنها نحوا من خمسمائة عام ، ثم أتيت إلى ذلك المكان ، فإذا هو مدينة على حالتها الأولى ، والحصون والقصور والأسواق قائمة ، فقلت لبعضهم : أين الغيضة التي كانت هاهنا ؟ ومتى بنيت هذه المدينة ؟ فقالوا : سبحان الله ، ما يذكر أحد إلا أنّ هذه المدينة على حالها منذ بعث الله الطوفان . فغبت عنها نحوا من خمسمائة عام ، ثم إن انتهيت إليها ، فإذا عاليها سافلها ، وهي تدخن بدخان شديد ، فلم أر أحدا أسأله ، ثم رأيت راعيا فسألته : أين المدينة التي كانت هاهنا ؟ ومتى حدث هذا الدّخان ؟ فقال : سبحان الله ، ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا الموضع كان هكذا منذ كان . فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي في الدنيا ، فسبحان مبيد العباد ، ومفني البلاد ، ووارث الأرض ومن عليها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . قال الشاعر : قف بالدّيار فهذه آثارهم * تبكى الأحبّة حسرة وتشوّقا كم قد وقفت بها أسائل مخبرا * عن أهلها أو ناطقا أو مشفقا فأجابني داعى الهوى في رسمها * فارقت من تهوى فعزّ الملتقى وسمعت بالعراق منشدا ينشد « 4 » : أيها الرّبع الذي قد دثرا * كان عينا ثم أضحى أثرا أين سكّانك ما ذا فعلوا ؟ * خبّرن عنهم سقيت المطرا ولقد نادى مناديهم لنا * رحلوا واستودعونى عبرا « 5 »

--> ( 1 ) الغيضة : مجتمع الشجر في مغيض الماء . ( 2 ) البردي : نبات مائي كالقصب من فصيلة السعديات ، كانوا قديما يستعملون قشره للكتابة ، والبردى كذلك نوع من أجود الثمر . ( 3 ) السياع : الطين ، ( لسان العرب ، باب : سيع ) . ( 4 ) سقطت هذه الأبيات من ( ط ) . ( 5 ) ورد هذا البيت في كتاب المستطرف في كل فنّ مستظرف ( 2 / 609 ) ، بلفظ : فلقد نادى منادي دراهم * رحلوا واستودعوني عبرا