محمد بن وليد الطرطوشي

80

سراج الملوك

مقيم على قبريكما لست نازحا * طوال الليالي أو يجيب صداكما أأبكيكما طول الحياة وما الّذى * يردّ على ذي غصّة أن بكاكما « 1 » كأنّكما والموت أقرب غاية * بروحى في قبريكما قد أتاكما سلام وتسليم وروح ورحمة * ومغفرة المولى على ساكنا كما « 2 » فلو جعلت نفس لنفس وقاية * لجدت بنفسي أن تكون فداكما وفي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن قسّ بن ساعدة يبعث أمّة وحده » « 3 » ، يعني أنّ كلّ أمة آمنت بنبيّها تبعث أمّة وحدها لا يخالطها غيرها ، ويبعث قسّ أيضا وحده أمّة ، ليس معه أحد . ويروى أنّ المهديّ « 4 » نام يوما فأنشد في منامه هذه الأبيات : كأنّى بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه ركنه ومنازله فلم يبق إلّا ذكره وحديثه * تنادى بليل معولات ثواكله « 5 » فما أتت عليه عاشرة عشرة حتى مات . وأنشدني القاضي أبو العباس الجرجاني « 6 » رحمه الله بالبصرة هذه الأبيات : باللّه ربّك كم قصر مررت به * قد كان يغمر باللّذات والطّرب طارت عقاب المنايا في جوانبه * فصاح من بعده بالويل والحرب « 7 »

--> ( 1 ) الغصّة : شيء يعترض في الحلق يمنع من التنفس ، والمقصود بذي الغصة : من أصيب بهمّ وحزن . ( 2 ) روح : استراحة ورحمة . ( 3 ) هذا الحديث والحكاية بكاملها ، وردت في البداية والنهاية لابن كثير ، وقال : هذا الحديث غريب جدا من هذا الوجه وهو مرسل ، وقال : رواه البيهقي ، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر من وجه آخر ، وقال البيهقي : « وإذا روي من أوجه أخر وإن كان بعضها ضعيفا دل على أن للحديث أصلا . . . والله أعلم - ( انظر البداية والنهاية ، ابن كثير ج 2 ، الصفحات 230 - 237 ) . ( 4 ) المهدي : محمد بن عبد الله المنصور ، ثالث الخلفاء العباسيين ، أقام في الخلافة عشر سنين وشهرا ، كان محمود السيرة ، حسن الخلق والخلق ، مات سنة 169 ه ، صريعا على دابته ، وقيل : مسموما . ( الأعلام 6 / 221 ) . ( 5 ) العويل : رفع الصوت بالبكاء والصياح . المعولات : الباكيات النائحات . ثواكل وثكالى : مفردها ثكلى وثاكلة وهي من فقدت ابنها . ( 6 ) أبو العباس الجرجاني : أحمد بن محمد بن أحمد ، قاضي البصرة ، وشيخ الشافعية في عصره ، كان عارفا بالأدب ، له نظم بديع ، توفي سنة 482 ه . ( الأعلام 1 / 214 ) . ( 7 ) عقاب : طائر من الجوارح يطلق على الذكر والأنثى ، قوي المخالب وله منقار أعقف . الحرب : الهلاك والويل .