محمد بن وليد الطرطوشي
81
سراج الملوك
وأنشدني أيضا : أيّها الرّافع البناء رويدا * لن تذود المنون عنك المباني إنّ هذا البناء يبقى وتفنى * كلّ شيء أبقى من الإنسان « 1 » وقال الحكم بن عمرو « 2 » : قال أبو جعفر المنصور « 3 » عند موته : اللهم إن كنت تعلم أنّي ارتكبت الأمور العظام جراءة مني عليك ، فإنّك تعلم أني قد أطعتك في أحبّ الأشياء إليك ، شهادة أن لا إله إلا اللّه ، منّا منك ، لا منّا عليك . وكان سبب إحرامه من الخضراء « 4 » ، أنه كان يوما نائما فأتاه آت في منامه فقال : كأنّى بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه أهله ومنازله وصار عميد القصر من بعد بهجة * إلى تربة تسفى عليه جنادله « 5 » فاستيقظ مرعوبا ، ثم نام فأنشد : أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت * سنوك ، وأمر اللّه لا بدّ واقع فهل كاهن أعددته ومنجّم * أبا جعفر عنك المنيّة دافع فقال : يا ربيع « 6 » ائتني بطهوري ، فقام واغتسل ولبّى ، وتجهّز للحج ، ثم قال : يا ربيع ، ألقني في حرم الله تعالى .
--> ( 1 ) كذا في ( خ ) ، وفي ( ط ) « ويفنى » وما في ( خ ) يتناسب مع المعنى أكثر . ( 2 ) هناك اختلاف في ذكر اسم الراوي بين المخطوط والمطبوع ولعل الصحيح هو [ الحكم بن عثمان ] حيث وردت الحكاية مرويّة عنه في كتاب : [ تاريخ مدينة دمشق 32 / 343 ] وفي [ المجالسة وجواهر العلم 1 / 41 ] . ( 3 ) أبو جعفر المنصور : الخليفة العباسي الثاني ، خلف أخاه السفاح سنة 136 ه ، وأخضع العلويين ، وقضى على ثورة محمد النفس الزكية في المدينة ، وفتنة المقفع في فارس ، بنى بغداد ودعاها مدينة السلام ، وجعلها عاصمة له ، توفي محرما بالحج سنة 158 ه . ( الأعلام 4 / 117 ) . ( 4 ) الخضراء : اسم لقصر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور . ( 5 ) سفى سفيا التراب : تذرىّ وتبدد . الجنادل : الصخور العظيمة . ( 6 ) ربيع : الربيع بن يونس بن محمد ، من موالي بني العباس ، كان وزيرا للمنصور ، من العقلاء الموصوفين بالحزم ، توفي سنة 169 ه . ( الأعلام 3 / 15 ) .