محمد بن وليد الطرطوشي

79

سراج الملوك

في الذّاهبين الأوّلين * من القرون لنا بصائر « 1 » لمّا رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * تمضى الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إليك * ولا من الباقين غابر سكنوا البيوت فوطّنوا * إنّ البيوت هي المقابر أيقنت أنّى لا محا * لة حيث صار القوم صائر ثم قال الرجل : لقد رأيت منه عجبا ، اقتحمت واديا ، فإذا أنا بعين جارية ، وروضة مدهامّة « 2 » ، وشجرة عادية ، وإذا بقسّ بن ساعدة ، قاعد في أصل الشجرة ، وبيده قضيب ، وقد ورد على العين سباع كثيرة ، فكلما ورد سبع على صاحبه ضربه بالعصا ، وقال : تنحّ حتى يشرب الذي ورد قبلك ، فلما رأيت ذلك ذعرت ذعرا شديدا ، فالتفت إليّ ، وقال : لا تخف ، فالتفت فإذا بقبرين بينهما مسجد ، فقلت : ما هذان القبران ؟ قال : هما قبرا أخوي ، كانا يعبدان الله تعالى معي في هذا الموضع ، وأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما ، فقلت له : ألا تلحق بقومك ، فتكون في جيرتهم ؟ فقال لي : ثكلتك أمّك ، أو ما علمت أن ولد إسماعيل « 3 » تركت دين أبيها واتّبعت الأصنام وعظّمت الأنداد « 4 » . ثم تركني وأقبل على القبرين ، وقال : خليلىّ هبّا طالما قد رقدتما * أجدّكما لا تقضيان كراكما ! « 5 » أرى النّوم بين الجلد والعظم منكما * كأنّ الّذى يسقى العقار سقاكما « 6 » ألم تعلما أنى بسمعان مفرد * وما لي فيه من خليل سواكما « 7 »

--> ( 1 ) بصائر : شواهد وعبر ودلائل . ( 2 ) مدهامة : خضراء إلى السواد من شدة الخضرة والريّ . ( 3 ) ولد إسماعيل : أي ذريته . ( 4 ) الأنداد : مفردها ندّ ، وهو الشريك والشبيه والمثيل . ( 5 ) أجدّكما : أي : أيجدّ منكما ! قال ابن منظور في لسان العرب ( باب : جدد ) : « إذا كسر الجيم استحلفه بجدّه ، وبحقيقته ، وإذا فتحها استحلفه بجدّه وبخته » . والهمزة : حرف استفهام يفيد الحث ، فالشاعر يحثهما على أن ينهضا ويستيقظا من النوم . والكرى : النعاس . ( 6 ) العقار : الخمر . ( 7 ) سمعان : جبل في ديار بني تميم ، ونقل عن العمراني قوله : « أن سمعان اسم لموضع بالشام فيه قبر عمر بن عبد العزيز » ( معجم البلدان ج 3 / 283 ) .