محمد بن وليد الطرطوشي

70

سراج الملوك

بنت النعمان بن المنذر في حوار مع سعد بن أبي وقاص « * » : ولما نزل سعد بن أبي وقاص « 1 » الحيرة ، قيل له : هاهنا عجوز من بنات الملوك ، يقال لها : الحرقة بنت النعمان بن المنذر « 2 » ، وكانت من أجلّ عقائل « 3 » العرب ، وكانت إذا خرجت إلى بيعتها « 4 » ، نشرت عليها ألف قطيفة حرير وديباج ، ومعها ألف وصيف ووصيفة ، فأرسل إليها سعد فجاءت كالشّن البالي « 5 » ، فقالت : يا سعد ، كنّا ملوك هذا المصر قبلك ، يحمل إلينا خراجه ، ويطيعنا أهله مدة من المدد ، حتى صاح بنا صائح الدهر ، فشتّت شملنا ، والدهر ذو نوائب وصروف ، فلو رأيتنا في أيامنا ، لارتعدت فرائصك فزعا منا . فقال لها سعد : ما أنعم ما تنعّمتم به ؟ . قالت : سعة الدنيا علينا ، وكثرة الأصوات إذا دعونا ، ثم أنشأت تقول : وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف « 6 » فتبّا لدار لا يدوم نعيمها * تقلّب تارات بنا وتصرّف ثم قالت : يا سعد ، إنه لم يكن أهل بيت بخير « 7 » ، إلا والدهر يعقبهم غبرة ، حتى يأتي أمر الله على الفريقين ، فأكرمها سعد ، وأمر بردّها ، فلما أرادت القيام ، قالت : يا سعد ، لا أزال الله عنك نعمة ، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ، ولا نزع عن كريم نعمة ، ولا أزال عن عبد صالح نعمة ، إلا وجعلك الله سبيلا إلى ردها عليه .

--> * من إضافات المحقق ، وقد وردت هذه الحكاية بكاملها في كتاب : [ المجالسة وجواهر العلم 1 / 379 - 380 ] مع اختلاف بسيط في بعض ألفاظها . ( 1 ) سعد بن أبي وقاص : أحد الصحابة ومن العشرة المبشرين بالجنة ، قاد جيوش المسلمين في فتح بلاد فارس وانتصر على رستم في القادسية ، بنى الكوفة ، وتوفي سنة 55 ه . ( الأعلام 3 / 87 ) . ( 2 ) الحرقة بنت النعمان بن المنذر بن امرئ القيس ، من بني لخم ، شاعرة من بيت الملك في قومها بالحيرة . ( الأعلام 2 / 173 ) . ( 3 ) العقيلة : كريمة الحيّ ، ( في كتاب المجالسة وجواهر العلم : كانت أجمل عقائل العرب ) . ( 4 ) البيعة : المعبد للنصارى واليهود . ( 5 ) الشّن البالي : القربة التي يبست وتشنّجت من القدم أو الهرم . ( 6 ) السّوقة : الرعية من الناس ؛ لأن الملك يسوقهم ويصرفهم إلى ما شاء من أمره . ( 7 ) في ( خ ) : [ لم يكن أهل بيت « بحبرة » ] . والحبرة : هي النعمة والخير ، [ وكذلك في المجالسة وجواهر العلم 1 / 380 ] .